فهرس الكتاب

الصفحة 8585 من 9994

إنَّ من تقديرِ الله تعالى لهذا الكونِ العريضِ حصولَ الحوادثِ وجريانَ المواقفِ ، والناسُ تجاهَ تلك الأحداثِ والمواقفِ على أصنافٍ شتىَّ ، فصنفٌ من الناس اتخذوها عبرةً و مدكراً فراجعوا أنفسَهم ، وقلَّبوا أوراقهَم قبل أن يحلَ بهم ما حلَّ بغيرهم، فاستعدوا لما أمامَهم، وآخرون كأن الأمرَ لا يعنيهم لا من قريبٍ ولا من بعيد، قاسيةٌ قلوبهُم، فلا تؤثرُ فيهم المواقفُ، ولا تفزعهم الأحداثُ الرهيبةُ، وطائفةٌ أخرى أشدُ وأنكى، وأظلمُ وأطغى، فقلبوا الحقائقَ ، وعارضوا الخالقَ، فراحوا يُخادعون الناسَ ويحرفون المواقفَ وفقَ شهواتهِم وملذاتهِم ، وتصوراتهِم وأفكارهِم ، فجعلوا من الباطلِ حقا، ومن المنكرِ معروفا، وتفانوا في محاولةٍ لصرف الناسِ عن الاعتبار والإدكار، في مثلِ تلك الأحداثِ الكبارِ، واستغفلوا عقولَ الناسِ كأنَّهم لا يفقهون .

ومن تلك المواقفِ التي لنا معها وقفاتٌ وعبراتٌ، وعظاتٌ وعِبارات، والتي تغني عن سردِ مواقفَ مشابهةٍ من التاريخ، ما جرى أمامَ مرأى ومسمعٍ من ملايين الناسِ وعلى الهواءِ مباشرةً، في ليلةٍ هي من أعظمِ الليالي، وفي ساعةٍ هي من أشرفِ الساعات، وبينما الناسُ في طربهِم ولهوهِم، إذ دخل عليهم ملكُ الموتِ، إي وربي ملكُ الموتِ، وقد أُمرَ بقبضِ قائدهِم فقبضَ على حالةٍ يُرثى لها - نسألُ الله تعالى السلامةَ والعافيةَ - وإننا إذ نذكرُ ذلك لا نشمتُ بالميتِ فقد قضى نحبه، وأفضى إلى ربهِ، واللهُ تعالى يتولاهُ وأعلمُ به، ونسألُ اللهَ تعالى أن يرحم أمواتَ المسلمين .

أمَّا بعد:

أيُّها المسلمون:

إنَّ مثلَ هذا الموقفِ المهولِ لو حُدّثَ به المصلحون لتوقفَ بعضُ الناسِ في قبولهِ وتصديقِه، وقالوا إنَّهُ كذبٌ وهراءٌ ، ودجلٌ وافتراء ‍؟ ولكن أبى اللهُ جلَّ جلالهُ إلاَّ أن تكونَ الآيةُ عامةً للناسِ يشهدُها الجميعُ، الكبيرُ والصغيرُ، العزيزُ والحقيرُ ، يرونَ رجلاً يُصرعُ أمامَ أبصارهِم ، يرونهُ يلقى حتفَهُ وهو يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرةَ على كلماتِ التوحيد ؟ كلاَّ ؛ على كلماتِ الاستغفارِ والتمجيد ؟ كلاَّ ؛ بل على كلماتِ الأغاني الهابطة، يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرةَ وهو يُبارزُ اللهَ تعالى بالمعاصي !! يلفظ أنفاسَهُ الأخيرةَ وهو متحضنٌ عودَهُ ومزمارَه !!

فيا للهِ ما أعظمَ هذا الموقفِ ؟ ويا لله ما أجلَّ هذا الخطبِ ؟!! ويا لله ما أروعَ هذا المشهدِ !! فأيُّ إنسانٍ يرى ذاك المشهدَ الرهيبَ ولا ترتعدُ فرائصُه !! وينخلعُ قلبُه !! وتضطربُ نفسُه !! نسألُ اللهَ تعالى حُسنَ الخاتمةِ، ولكن أبى الظالمون إلاَّ ضلالاً حتى قال قائلُهم: سوفَ يكونُ ارتيادُنا على خشبةِ المسرحِ الذي تُشرَّفُ بموتِك سيكونُ لنا مصدرَ فخرٍ وإعزازٍ نواصلُ عليه مشوارَك الذي بدأَته! إلى أن قالَ: لقد ضربتَ لنا مثلاً كيف تموتُ الأبطالُ ؟ كيف تموتُ الفرسانُ في ميادينِها ؟ [1]

قولوا لي بربِكم أيُّها الناس، أيُّ بطولةٍ في مبارزةِ اللهِ تعالى في انتهاكِ حدودِه ؟ وهل يستطيعُ الصمودَ والثباتَ من يُبارزُ الجبارَ بالمعاصي؟ وَلَيغُلبنَ مُغالبُ الجبارِ، ثم أيُ بطولةٍ التي قالَ عنها سلفنُا الصالحُ: إنَّما يفعلهُ عندنا الفساقُ !! وأيُ بطولةٍ في نشرِ عباراتِ الغرامِ والغزلِ بين المؤمنين !! أيُّ بطولةٍ في إضلالِ أبناءِ المسلمين !! أيُّ بطولةٍ في التسببِ في هتكِ الأعراضِ !! وضياعِ الأموالِ!! ثم أيُّ فروسيةٍ تلك التي يقصدون، أهي فروسيةُ الخنا والغرامِ ؟!! أم الضربِ على العودِ والناسُ نيامٌ ؟!! فتباً لتلك الفروسيةِ وسحقا، ويقولُ آخر: وفجأةً، ترجلَّ الفارسُ، مات ولكن منتصباً كما تموت الأشجارُ، وكما يمضي الأبطالُ وسلاحُهم يضمُونهُ إلى صدورهِم ، مضى المطربُ الأصيلُ محتضناً عودَهُ الذي طالما دندن فأطرب ..) [2] هذه شهادتهُم عليه ستكتبُ شهادتهُم ويسألون !! فأيُّ عاقلٍ يرجو أن يموتَ وهو يبارزُ اللهَ بالمعاصي، أيُّ عاقلٍ يرجو أن يُشهدَ عليه بمثلِ هذه الشهادةِ ؟!! مات متحضنٌ عودَهُ الذي طالما دندنَ فأطرب !! أيُّ عاقلٍ لبيبٍ يرجو أن يُبعثَ على مثلِ تلك الحالةِ المقززةِ، أناسٌ يبعثونَ يوم القيامةِ وهم يُلبون ويُهللونَ ويُكبرون، وأناسٌ يبعثونَ وهم يغنون !! أناسٌ يُبعثون وهم يتشحطون بدمائهم الزكيةِ التي سالت في سبيلِ الله!! وأناسٌ يبعثونَ وهم يحتضنون آلةَ اللهوِ والطربِ !! فرحماكَ اللهمَّ ثُمَّ رحماك، صدقَ اللهُ ومن أصدقُ من الله قيلا: (( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ) (سورة القلم:36,35) .

ويقولُ اللهُ جلَ جلاله: (( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ ) ) (سورة السجدة:18) .

ويقولُ آخرُ - وقبحَ اللهُ ما قال: ( لم يسقط من على مسرحِ الوطنِ ميتاً بل وُلدَ حياً، لنستيقظَ نحنُ، ونتعلمَ كيف يموتُ المبدعون فداءً لترابِ هذه الأرضِ ..) ( [3] )

أيُّ إبداعٍ في انتهاكِ حُرماتِ اللهِ !! وأيُّ إبداعٍ في تعدِي حدودِه !! إنَّهم دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، من أجابهَم قذفوهُ فيها، النبي r يقول: (( ليكونَّن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) )وهؤلاءِ لم يكتفوا بأن جعلوا الغناءَ حلالاً ، حتى جعلوهُ فخراً وإجلالا، و بطولةً وإبداعاً !! ولو قيلَ لهذا وأمثالِه: إنَّك ستموتُ في تلك الأرضِ ؟ هل ستطؤها أقدامُهُ من أجلِ الوطنِ ؟!! وفداءً لترابِ الوطنِ ؟!! إنَّهُ الدجلُ الإعلاميُ ، والصخبُ الصحفيُ، إنَّ هؤلاءِ الذين ملئوا الصحفَ ضجيجاً وهراءً، سيكونون أولَ المعادينَ لهُ في يومٍ يجمعُ اللهُ فيه الخلائقَ ويقفونَ أمامَ الخالقِ، مصداقاً لقولِ الله تعالى: (( الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) ) (سورة الزخرف:67 ) .

وإنَّ عداءَ الأخلاءِ لينبعُ من معينِ ودادِهم، لقد كانوا في الحياةِ الدنيا يجتمعونَ على الشر، ويملي بعضُهم لبعضٍ في الضلال. ولكنَّ عند وقوفِهم بينَ يدي الجبارِ جلَّ جلالهُ يتلاومون. في ذلكَ اليوم يلقي بعضُهم على بعضٍ تبعةَ الضلالِ وعاقبةَ الشرِ. في ذلكَ اليوم ينقلبون إلى خصومٍ يتلاحونَ ، من حيثُ كانوا أخلاءَ يتناجون !

(إلاَّ المتقين) فهؤلاءِ مودتهُم باقيةٌ، فقد كان اجتماعُهم على الُهدى ، وتناصحُهم على الخيرِ ، وعاقبتُهم إلى النجاة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت