قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً فذكر الله نور في الوجه وحياة للقلب ورضى للرب، وهو الحصن الحصين من الشيطان الرجيم.
وذكر الله يكون في كل الأحوال، في الرخاء والشدة وفي الليل والنهار، حتى عند لقاء العدو أمرنا الله بالذكر حيث قال سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون فالذكر من أحب الأعمال إلى الله تعالى كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (( أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله ) )، وقال صلى الله عليه وسلم: (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ذكر الله ) )وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يتشبث به؟ فقال: (( لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ) )وجاء في الحديث الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة يحبى بن زكريا عليه السلام وما أمره ربه تبليغه لقومه. فقال: (( وأمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره فأتى حصناً حصيناً فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله ) ).
والأصل في ذكر الله أن يكون باللسان، ولكن التفكر في خلق الله وآياته ذكر لله، والمشي في أعمال البر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذكر لله، والنظر في ملكوت الله ذكر لله، والخشية والرغبة والرهبة والإنابة والاستعانة وجميع العبادات القلبية كلها ذكر لله، ولكن اللسان هو الأداة المعنية بهذه العبادة العظيمة آناء الليل وأطراف النهار، فقراءة القرآن، والتسبيح والتهليل والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الأذكار المطلقة والمقيدة، لا تتم إلا باللسان، وهذه الآلة الصغيرة العجيبة التي من الله بها علينا، كم هي مهمة في حياة الإنسان، فقد تكون سبباً في تعاسته كما أنها قد تكون سبباً في سعادته وفوزه (( وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) )كما أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان ) ).- أي تعلن الخضوع والانقياد له - (( تقول اتقِ الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا ) )فإذا ما طُوع اللسان على ذكر الله في جميع الأوقات فاز صاحبه بحصن الحسنات التي تتضاعف إلى أضعاف كثيرة بفضل الله ومنّه، أما إذا أضاع الإنسان أوقاته في لغو وكلام غير مفيد فإنه سيتحسر ويندم ساعة لا ندم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما اجتمع قوم فتفرقوا عن غير ذكر الله إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة ) )وفي رواية أخرى: (( ما اجتمع قوم في مجلس فتفرقوا ولم يذكروا الله ويصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان مجلسهم ترة عليهم يوم القيامة ) )فكل المخلوقات تذكر الله إلا الشياطين وأعتياء بني آدم أوأغبياء بني آدم كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( ما تستقل الشمس - أي ترتفع وتعلو -فيبقى شئ من خلق الله إلا سبح الله بحمده إلا ما كان من الشياطين. وأغبياء بني آدم ) )وفي رواية: (( وأعتياء بني آدم ) )فكم من الأيام طلعت فيها الشمس وكثير من المسلمين نيام، وكم من مجلس يجلسه الناس ويقومون عنه دون ذكر لله، هذا إذا لم يكن المجلس كله منكرات والعياذ بالله، فتكون تلك المجالس حسرة على أصحابها يوم القيامة أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله.
وأفضل أنواع الذكر أيها الإخوة قراءة القرآن، ثم ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأذكار والأدعية الصحيحة الموجودة في كتب السنة، وكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه الأدعية والأذكار منها ما هو مقيد، ومنها ما هو مطلق، ومنها ما هو مقيد ومطلق في نفس الوقت، أي نفس الذكر أو الدعاء يكون مقيداً في حال ومطلقاً في حال أخرى، مثل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . حيث قيدت في الصباح والمساء بعدد معين كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( من صلى علي حين يصبح عشراً وحين يمسي عشراً أدركته شفاعتي ) )فهنا قيد هذا الذكر بعدد معين في الصباح والمساء .وقد حض النبي عليه الصلاة والسلام الأمة على كثرة الصلاة عليه يوم الجمعة والصلاة عليه عند ذكره دون تحديد عدد معين أو دون تحديد وقت معين ولا بكيفية مخصوصة فهنا صار الذكر مطلقاً.
ومن الأذكار المقيدة الذكر بين الركنين في الطواف، وهو ذكر مقيد بمكان ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وهناك ذكر مقيد بعدد، كالتسبيح دبر الصلوات أو بعض أذكار طرفي النهار، وهناك ذكر مقيد بالزمان كأذكار الصباح وأذكار المساء وغيرها من الأذكار المقيدة الأخرى، وهناك أذكار مطلقة غير مقيدة بعدد ولا زمان ولا مكان ولا حال مثل قول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم فهاتان الكلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان للرحمن.
فعلى المسلم أن يتبع السنة في ذكر الله سواء في قراءة القرآن أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والاستغفار وغيرها من الأذكار وأن يتقيد بما هو مقيد منها بعدد أو مكان أو زمان دون زيادة أو نقص كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن لا يقيد ما هو مطلق منها لا بعدد ولا بزمان ولا بمكان حتى يقبل منه العمل. أسأل الله العلي العظيم أن يتقبل منا أعمالنا ويجعلها خالصة لوجهه إنه سميع مجيب.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
كما هو معلوم أيها الإخوة أن أي عبادة لا تقبل إلا بشرطين .. الإخلاص لله تعالى والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الأعمال ذكر الله تعالى وأفضل الذكر قراءة القرآن. فقراءة حرف منه بعشر حسنات، والحسنة بعشر أمثالها. وأعظم سورة هي الفاتحة فهي أم الكتاب والسبع المثاني، وأعظم آية آية الكرسي: الله لا إله إلا هو الحي القيوم.
وهناك بعض السور جاء ذكر فضلها في أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل فضل سورة تبارك المنجية التي أنجت صاحبها من فتنة القبر، وكذلك سورة الإخلاص التي من قرأها عشر مرات بني له بيت في الجنة. كما أخبر الصادق المصدوق، والتي أيضاً كانت سبباً في حب الله لشخص أحبها لأن فيها صفة الرحمن. وكانت سبباً في دخوله الجنة. فهي تعدل ثلث القرآن.
ثم بعد ذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل أنواع الذكر، وأيضاً التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والإستغفار وغيرها من الأذكار الثابتة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، التي ينبغي على المسلم أن يتعلمها ويحفظها ويلتزم بها في الصلاة وغير الصلاة وفي جميع الأحوال والأوقات (( مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت ) )كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين.
وقال تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس) .