ففلسطين في أنظار المسلمين المجاهدين أرض الرسالات ،ومهبط الأنبياء والنبوات ، ومسرى رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ، وفيها المسجد الأقصى الذي ثبت في السنة أن الصلاة فيه مضاعفة ، وفتحها الصحابة ورووها بدمائهم الطاهرة ،وأجسادهم الزكية، وصارت ولا زالت ثغراً جهادياً على مر القرون المتتابعة ، فلأجل هذا استحقت الجهاد وبذل المهج والأرواح والأولاد والأموال وهي أرض مباركة بنص القرآن (( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) ) (الإسراء:1) وقوله تعالى: (( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ) ) (الأنبياء:71)
وفي نظر العلمانيين: فلسطين بقعة عربية ضعيفة ، اعتدى اليهود على أجزاء منها واحتلوا أراضي ليست لهم حقاً بميثاق الأمم المتحدة ،وأن عليهم أن ينسحبوا إلى حدود سبعة وستين ليتعايشوا مع العرب بسلام ضد قوى الإرهاب والتطرف .
ويرى المسلم المجاهد أن الدوافع لقتال اليهود امتثال أمر الله تعالى بقتال قوم كفروا بالله واليوم الآخر وأنهم لا يدينون دين الحق ، قال تعالى: (( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ) (التوبة:29)
ولهذا يستوي في نظر المسلم الجهاد في فلسطين وفي الشيشان وفي أفغانستان وفي غيرها من النواحي التي يقف العلماني ضدها موقف الخصم مع النصارى ويصفها بالإرهاب .
و اليهود في نظر المسلم أعداءٌ لله تعالى ، اتهموا ذاته العلية بأقبح الأوصاف من البخل وغل اليد واللغوب والأبوة ..تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا ، وهم قتلة الرسل وأعداء الأنبياء خاصة محمدا صلى الله عليه وسلم ، ثم هم مع ذلك غاصبون محتلون سفاحون للدماء ، سماعون للكذب أكلون للسحت .
أما في نظر العلماني فإن النضال مع اليهود لم يكن دينيا يوما من الأيام ، فهم لا يريدون كما يقولون استخدام الدين وسيلة لتحقيق أهدافهم كما فعل اليهود ، فقاسوا الإسلام على اليهودية ، وساووا بين الحق البين والباطل الواضح ، واستراتيجيتهم تتركز على إقامة دولة علمانية ، يعيش فيها اليهود والنصارى والمسلمون معاً ، فاليهود في نظرهم المنكوس أبناء العمومة و إخوة الوطن كما صرح أحدهم عن عواطفه الحارة تجاه اليهود قائلاً: إنهم أولاد عمّنا ..ونعرفهم ) [3] [3] [3] ولا مانع عندهم من توقيع سلام دائم وعادل وشامل مع يهود.
والمسلم الحق يجاهد اليهود كغيرهم من الكافرين جهاداً في الله حق الجهاد ، يحدوه اليقين ، ويشجعه الوعد الإلهي الصادق بكرمات الشهيد وفضل الشهادة ، ويرجو جنة عرضها السموات والأرض ، ويؤمله بشائر نبوية صادقة بدحر يهود ونصر الإسلام والمسلمين يقول صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ) )رواه مسلم .
فهل يملك العلماني أمثال هذه البشائر ؟ وهل يؤمن هذا الإيمان ؟ وهل يغمر صدره مثل هذا اليقين ؟ وهو لا يؤمن بالله ورسوله وبما جاء عن الله ورسوله !!
إن مثل هذه النفسية مستعدة للهزيمة قبل بدء المعركة وهي ترى ما يملك الخصم من العتاد والتقنية ولا عزيمة لها أمام الهزيمة ، ولا إصرار أمام الانكسار ، ولا جلد على القتال ولا صبر .
أيها المسلمون: إن قصارى ما يملكوه هؤلاء تلك البيانات الدعائية.. تُخَادع به الأمة ..لتبنى بها مجدا مزعوما ؛ تهدف من ورائه صرف المجتمع عن قضاياه الداخلية ،وسحب البساط وخطف الراية من الإسلاميين الذين برهنوا على صدق دعواهم ، وقدموا آلاف الشهداء في فلسطين وفي سهول القوقاز وأودية البلقان وعلى جبال الأفغان .
وهيهات يا بنو علمان فلن تخادع الأمة بمثل هذه البيانات ، فالأمة تعرف الصادق من الكاذب ، وتعلم المتاجر من المناصر ، وأمثال هؤلاء العلمانيين لو دعوا إلى الجهاد الصادق لولوا وهم يجمحون ، لأنهم قوم يفرقون ، وحين يكون الجهاد الصادق أدبروا ولهم ضراط ..قاتلهم الله أنى يؤفكون .
أما في السلم وعلى أرائك المكاتب وفي الغرف المكيفة فالكل يناضل ، والكل شجاع ، والكل يقذف من فمه بشواظ من نار ونحاس ويلقي بالجمل النارية .
وإذا ما خلا الجبان بأرض
طلب الحرب وحده والنزالا
فكفى دجلا ونفاقا ومخادعة ومن كان صادقا فهذا الميدان ليقف مع الطفل في فلسطين أو على الأقل ليتترس به من وراء ظهره وليناوله الحجارة .
إنا نتوق لألسن
بكم على أيد فصالا
يسمع الأبطال إلا
في منابرنا الفساح
يا ألف مليون وأين همو
إذا دعت الجراح
هاتوا من المليار مليونا
صحاحاً من صحاح
من كل ألف واحداً
أغزو بهم في كل ساح
شعب بغير عقيدة
ورق تذريه الرياح
من خان حي على الصلاة
يخون حي على الكفاح
ويعلم اليهود قبل غيرهم أن فلسطين لن يخلصها إلا جيش محمد صلى الله عليه وسلم ..لن يحررها إلا الأيدي المتوضئة ، أمة تحرص على الموت حرص يهود على الحياة ، رجال يضعون أرواحهم على أكفهم ، ويرون مقاعدهم من الجنة وهم مقدمون على القتال فلا يقف في وجوههم قوة ، ولا يغلبهم غير الله غالب (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) ) (الأحزاب:23)
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم
الخطبة الثانية
أيها الأخوة الفضلاء: لابد من فهم ثاقب لأبعاد القضية كما فهمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان ، ذلك الفهم الذي سار به أبو عبيدة عامر بن الجراح وعمرو بن العاص ليجاهدوا الروم هناك ، ويخلصوا بيت المقدس من أركاس الصليبيين الروم ، الفهم الذي ذهب به عمر ليتسلم مفاتيح المدينة لتعود إلى التوحيد الخالص طاهرة ظاهرة ، الفهم الذي حدا بصلاح الدين أن يجاهد الصليبيين الأوربيين ليعيد بيت المقدس للإسلام مرة أخرى عزيزاً منيعاً ، والفهم الذي تأبّ به السلطان العثماني عبدالحميد عن بيع هذه البقعة ببنوك اليهود ، مع علمه بأن هذه الخطوة فيها نهايته ، بل الفهم الفطري الذي جعل أطفال الحجارة وشبابها أصحاب الانتفاضة الأولى والثانية والأخيرة يفهمون أبعاد القضية ، ويدركون أسرار الشخصية اليهودية فيُذلونها ويُرغمون أنفها بما لم تستطعه الجيوش أو تقدر عليه العروش .
لابد لهذا الفهم أن يأخذ طريقه إلى عقول أجيالنا من الآن فصاعداً ، وليُهل التراب إلى الأبد على كل تلك الفهوم البالية ، والشعارات الخاوية العلمانية ، سواء أكانت قومية أو وطنية أو بعثية تقدمية أو يسارية أو غيرها من الشعارات الباطلة ، لأنها ضرَّت ولا نفعت ، وانخذلت وما ارتفعت ، وضاعت وضيعت ..
ولابد للفهم الإسلامي هذا أن يأخذ مكانه ، أو بالأحرى أن يعود لمكانه ومكانته في عقل الأمة المسلمة بعد طول غياب .
اللهم ..
[1] ـ 13/2/1423هـ .
[2] [3] انظر: قبل الكارثة ص 60 .
ـ كتاب: قبل الكارثة عبدالعزيز كامل ص 50 .