ولا أُصدِقت امرأةٌ من بناتهِ أكثرَ من اثني عشرَ أوقية، بل قد غضبَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- من كثرةِ المَهرِ، فقد جاءَ هُ رجلٌ من الصحابةِ يستعينهُ فقال رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- (( على كم تَزوجتَها قال: على أربعِ أواقٍ، فقال لهُ النبيُّ- صلى الله عليه وسلم-: على أربعِ أواقٍ، كأنَّما تنحِتُون الفضةَ من عَرضِ هذا الجبل ) )، الحديث أخرجهُ مسلم0
قال شيخُ الإسلام- رحمهُ الله- والمستحبُ في الصداقِ مع القدرةِ واليسار، أن يكونَ جميعُ عاجلهِ وآجلهِ لا يزيدُ على مهرِ أزواجِ النبيِّ- صلى الله عليه وسلم- ولا بناتهِ، ثُمَّ قالَ فمن دعتهُ نفسُهُ إلى أن يزيدَ صدَاقَ ابنتهِ على صداقِ بناتِ رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- اللواتي هُنَّ خيرُ خلقِ اللهِ في كلِّ فضيلة، وهُنَّ أفضلُ نساءِ العالمين في كلِّ صفةٍ، فهو جاهلٌ أحمق، وكذلكَ صداقُ أمهاتِ المؤمنين، وهذا مع القدرةِ واليسار، فأمَّا الفقيرُ ونحوهُ فلا ينبغي لهُ أن يُصدِقَ المرأة، إلاَّ ما يقدرُ على وفائهِ من غيرِ مشقة، وقد كانَ السلفُ الصالحُ الطيبُ يُرخِّصُونَ الصداق، آهٍ قولُه0
لقد خلَفَ من بعدِ السلفِ خلفٌ سيطَرَ على أفكارِهم النظرةُ التجارية، فتراهم يُغالُونَ في المهورِ حتى أنَّهُ لا يكادُ يخرجُ بعضُهم من عقدِ زواجٍ إلاَّ وهُم يتحدَثُونَ عن المهرِ، وكم بلغَ من الأرقامِ القِياسِيةِ، وترى بعضُهم إذا خطبَ إليهِ رجُلٌ ابنتهُ أو مُوليتهُ، أخذ يحِدُّ شفرتهُ ليفصِلَ بين لحمهِ وعظمه، فإذا قُطعَ منهُ اللحم، وهُشمَ العظم، وأُخِذَ منهُ كلَّ ما يملكُ سَلَّمَها لهُ وهُو في حالةِ بؤسٍ وفقرٍ شديدين، مُثقلاً بأوزارِ الديون، والتي من لوَازِمِها الهُمُومُ والغُمُومُ التي تُكدِّرُ عليه صفوهُ، فتُذلَهُ بالنَّهارِ وتقضُّ مضجَعَهُ بالليل، إنَّ المُغالاةِ في المهورِ، والغلوِّ في الشروطِ، وعدمُ تيسيرِها أنتجت أسوأ العواقبِ، فتركتِ البناتِ العذارى عوانسَ وأيامى، في بُيُوتِ أبائِهنِّ يأكُلنَ شبَابَهُنَّ، وتنطوي أعمارَهُنَّ سنةً بعد سنة، وتعذرُ النكاحِ على جُمهورِ الشبابِ بل تعسَّرَ فعزفُوا عنهُ رُغمَ رغبتِهم فيه، وحاجتِهم له،
وبهذا يُعلمُ مدى شؤمِ مُخالفةِ من هديهِ خيرُ الهُدى- صلى الله عليه وسلم- فهل من عُقلائِنا وصُلحائِنا من يتبنَّى زواجاً ذا مواصفاتٍ نبوية.
وللهِ درُّ أبٍ كان عوناً على عفافِ ابنتهِ، وللهِ درُّ وليٍّ ساهمَ في تحصينِ فرجٍ، وغضِّ بصرٍ 0
أيُّها المسلمون:
ويزيدُ الطينُ بلَّة، منكرٌ جديد، وبدعةٌ قذرة، تزيدُ الشبابُ أثقالاً مع أثقالهم، تلكَ ما يُسمُونَهُ بالشبكةِ، حيثُ يفرضُ على الشبابِ أعباءَ ماليةٍ لا مُبررَ لها، وتلك وربِّي عادةً سيئةً استلهمها الناسُ من تعاليمِ المسرحياتِ والأفلامِ والتلفاز، التي أفسدت كثيراً من أخلاقنا 0
وبعد أن يعزمَ القومُ عقدةَ النكاحِ، تبدأُ سلسلةً أُخرى من المُنكراتِ والتجاوزات، فباسم الزواجِ والأفراحِ كلُّ شيءٍ مُباحٌ، فمعَ الأفراحِ يكثُرُ الخروجُ إلى الأسواق لأدنى الحاجاتِ، وأتفهَ المطالبِ، وعن الأسواق ومآسيها حدِّث ولا حرج، هُناكَ نصبَ الشيطانُ رايتهُ وأرسلَ جُنودَهُ
في الأسواقِ، يُوأدُ الحياءُ، وتوطأ القوامةُ، وتبدأُ الخطواتُ الأولى للانحراف في الأسواق، عباءاتً متبرجةً تصنعُها دولةُ الكُفرِ والإباحية، فرنسا وأخرى يصنعُها أو يستوردُها قومٌ لا خلاقَ لهم، وإن تدرعوا بدرعٍ من الالتزامِ الأجوفِ، والتدينِ المظهري، في الأسواقِ مشاهدَ لنساءٍ كاسياتٍ عارياتٍ يلبسنَ العباءةَ ولكن بشكلٍ يُثيرُ الغرائز، ويُحرِكُ الشهوات 0
في الأسواقِ نقابٌ فاتن، يبرزُ ما حسُنَ، ويخفي القبيح، في الأسواقِ مشاهدَ لنساءٍ نزعنَ الحياءَ ، تتحدثُ إحداهنَّ مع البائعِ كأنَّهُ زوجها، أو أخُوها، تستعرضُ الملابسَ الداخليةَ وتقيسها أمام الملأِ وكأنَّها في غُرفَةِ نومِها، سقطَ الحياءُ وتزلزلَ جبلُ الخجلِ من فعلها، في الأسواقِ نساءٌ يسرنَ بكلِّ جرأةٍ أصواتَهُنَّ تُجلجِلُ وتُسمعُ من بعد، يُسمعنَ الجميعِ تلكَ الضحكاتِ السَمِجة، والأحاديثَ المُصطنعةِ، في الأسواقِ باعةُ ذكورٍ في خلقَتِهم، لكنَّهم إناثٌ بتمَيُعِهم، ولباسِهم وحركاتِهم وضحكاتهم، وأسلوبِ كلامهم، في الأسواقِ شبابٌ ضائع، لم يأتِ لقضَاءِ حاجةٍ، وإنَّما لاقتناصِ الساذجاتِ، وإيذاءِ المُحصناتِ الغافلات، في الأسواقِ كانت بداياتُ الانحرافات، فمن الأسواقِ زالت رهبةُ محادثةِ الرجالِ، فبدأتِ المرأةُ تتحدثُ مع الرجلِ، وترى الرجلَ وتتعرضُ للرجلِ، وهُناكَ بدأت النظراتُ تتوالى، والخطواتُ تتقابلُ، هُناكَ استعذبتِ الكلمةُ، واستُنشِقتِ الرائحة، واستطعمت الفعل، هُناكَ بدأت خُطواتُ التعثرِ الأولى، نظرةٌ فابتسامةٌ، فسلامٌ فكلامُ، فموعدٌ فلقاءُ، هُناكَ غالبُ من جنحَ من النساءِ، كانت الخُطواتُ السوداءُ في حياتِهنَّ بدأت من الأسواق، كانت الوسيلةُ النظراتِ والهاتفَ هو الواسطة، في الأسواقِ تنقطعُ الأصواتُ، ويسقُطُ الحياءُ، وللشيطانِ راية 0
يا عباد الله:
ومن الأسواقِ إلى المشاغِلِ النسائيةِ، والتي كُنَّا نرى فيها بديلاً عن مشاغِلِ الرجال، فإذا بِنا نغسلُ البولَ بالدم، لم تُعد المشاغِلُ النسائيةِ اليومَ مكاناً لخياطةِ الملابس، وإنَّما وكراً لكلِّ منكَّرٍ من القولِ والفعل، تسترت باسمها الكوافيراتِ بما فيها من صورٍ للكافرات، وأنواعٍ للقصاتِ، وزكِمت الأنوفُ ما فيها من مُنكرات0
في المشاغلِ النسائيةِ نساءٌ كافرات، وتفصيلٌ للملابسِ المُحرمة ، فيها يُمَارَسُ الحرامُ من نمصٍ وقصاتٍ محرمة، وتشبهٍ بالكافرات، فيها تتجردُ العروسُ من كلِّ ملابِسها، وتُري غيرها ما لا يحلُّ إلاَّ لزوجِها، بل في بعضها انتهاكاتٍ أخلاقية، واسألوا إن شِئتُم رجالَ الهيئاتِ، وهُنا أوجِّهُ دعوةً للغيُورِين من الصالحينَ والصالحات، بأن يتبنُوا مشاغلَ نسائيةٍ نزيهةٍ تتجنبُ ما يُسخطُ اللهَ من ألبسةٍ وموضات، وتكونُ فرصاً وظيفيةً لمسلماتٍ محتاجات0
أيُّها السلمون:
ومظاهرَ أخرى مُؤلمة، من منكراتِ أفراحِنا، وهي تلكَ الصورُ المؤلمةِ للتبذيرِ والإسراف، والتي تجاوزت الحدودَ ممَّا ينذرُ بعقابٍ إلهي لإخوانِ الشياطين، (( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) ) (سورة الإسراء: 27) .
مظاهرَ من الإسرافِ والبذخِ تبدأُ في شِراءِ الملابسِ الباهظةِ الثمن، وتنتهي بمأكولاتٍ ومشروباتٍ لا تجدُ من ينظرُ إليها مِروراً، باستئجارِ قصورِ أفراحٍ تزيدُ أُجرَتها على مهرِ شابٍ يُصارِعُ طَوفانَ الشهوةِ، ومرارةَ التباهي والتفاخرِ المَمقُوت، هذا مع ما يُبذَلُ لأجلِ اللهوِ والطربِ، وما يدفعُ لبطاقاتِ الدعوةِ باهظةِ الثمن، وما يُدفَعُ كهدايا ونحوِ ذلك.
أيُّها المسلمون: إنَّ الترفَ والمترفينَ هُم سببُ هلاكِ كلَّ أمةٍ، (( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) ) (سورة الإسراء 16) .
وإن ما نراهُ من صُورِ التباهي والتنافسِ المذمُومِ في حفلاتِ الزَّواج، لهُو جريمةٌ في حقِّ المجتمعِ وفي حقِّ كلِّ مسلم 0