ويقول ابن دقيق العيد رحمه الله معلِّقًا على هذه الأحاديث:"وهذا وعيد عظيمٌ لمن كفّر أحدًا من المسلمين وليسَ هو كذلك"، وقال:"وهي ورطة عظيمةٌ وقَع فيها خلقٌ من العلماء اختلفوا في العقائدِ، وحكَموا بكفرِ بعضهم بعضًا".
أيّها المسلمون، الكفرُ حكمٌ شرعيّ، والكافر هو من كفّره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، فليس الكفرُ حقًّا لأحدٍ من النّاس، بل هو حقّ لله وحدَه، يوَضّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله:"فلهذا كان أهلُ العلم والسنّة لا يكفّرون من خالفَهم وإن كان ذلك المخالف يكفِّرهم؛ لأنّ الكفرَ حكم شرعيّ، فليس للإنسان أن يعاقبَ بمثله، كمَن كذب عليك ليس لك أن تكذِب عليه؛ لأنّ الكذبَ حرام لحقّ الله تعالى، وكذلك التكفيرُ حقّ لله، فلا يكفَّر إلاّ من كفّره الله ورسوله" [5] ، قال:"والخوارجُ المارقون الذين أمَر النبيّ بقتالهم، قاتلَهم عليّ رضي الله عنه وأئمّة الدّين من الصّحابة والتابعين، وقد ثبَت ضلالهم ـ أي: الخوارج ـ بالنصّ والإجماع، ولم يكفِّرهم أحدٌ من الأئمّة، وإنّما قاتلوهم لبغيِهم، فكيف بالطّوائف المختلفين الذين اشتَبَه عليهم الحقّ في مسائلَ غلِط فيها مَن هو أعلم منهم، فلا يحلّ لإحدى هذه الطوائف أن تكفِّر الأخرى ولا تستحلَّ دمَها ولا مالها" [6] ، قال:"وتكفيرُ الجهميّة مشهور عند السلف، لكن ما كانوا يكفِّرون أعيانَهم، فإنّ الذي يدعو إلى القول أعظمُ من الذي يقول به، والذي يعاقِب مخالفَه أعظمُ من الذي يدعو، والذي يكفِّر مخالفه أعظمُ من الذي يعاقِبه، ومع هذا كان الولاة الذين كانوا يقولون بقول الجهمية: إنّ القرآنَ مخلوق وإنّ الله لا يُرى في الآخرة ويدعون الناسَ إلى ذلك ويمتحِنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم ويكفِّرون مَن لم يجِبهم، مع هذا كلِّه ترحّم عليهم الإمام أحمد واستغفر لهم لعلمه بأنه لم يُبِن لهم أنّهم مكذِّبون لرسول الله ، لكن تأوّلوا فأخطؤوا وقلّدوا من قال ذلك" [7] . بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"إنّ الإمامَ أحمد صلّى خلفَ الجهميّة الذين دعَوا إلى قَولهم وامتحَنوا النّاس وعاقبوا مَن لم يوافِقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفّرهم أحمد وأمثالُه، بل كان يعتقد إيمانَهم وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى الائتمامَ بهم والصلاةَ خلفهم والحجّ والغزوَ معهم والمنعَ من الخروج عليهم، ما يراه هو وأمثاله من الأئمّة، وينكرون ما أحدثوا من القولِ الباطل الذي هو كفرٌ عظيم وإن لم يعلموا هم أنّه كفر، وكان ينكِره ويجاهِدهم على ردّه بحسَب الإمكان، فيجمَع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنّة والدّين وإنكار بدعِ الجهميّة الملحدين وبين رِعاية حقوقِ المؤمنين من الأئمّة والأمّة وإن كانوا جهّالاً مبتدعين وظلمةً فاسقين"انتهى كلامه رحمه الله [8] .
إذا كان الأمرُ كذلك ـ أيّها المسلمون ـ فينبغي أن يُعلمَ أنّ الإيمانَ والكفرَ محلُّها القلب، ولا يطّلع على ما في القلوب إلا الله، وفي التنزيل: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:106] .
فالكافِر ـ عياذًا بالله ـ هو من شرَح صدرًا بالكفر، فلا بدّ من شرحِ الصّدر بالكفر وطمأنينة القلب به وسكون النّفس إليه، فلا اعتبارَ بما يقع من طوارقِ عقائدِ الشرّ لا سيّما مع الجهل وعدم الجزم بمخالفتها لطريق الإسلام، ولا اعتبارَ بصدور مكفِّرٍ لم يُرد به فاعلُه الخروجَ مِن الإسلام إلى ملّة الكفرِ، ولا اعتبار بلفظٍ تلفّظ بِه المسلم يدلّ على الكفر وهو لا يعتقِد معناه، وإن كانت هذه كلّها أمورًا منكرةً محرّمة ممنوعة يجِب الإنكارُ على صاحبِها والتحذير منها وبيان الحقّ فيها، ولكنّها لا توجب الحكمَ والجزم بكفر صاحبها.
وبعد: أيّها المسلمون، ففي مسألة التّكفير زلَّت أقدامٌ ما كان لها أن تزلّ، وضلّت أفهام ما كان لها أن تضلّ، وخاضت ألسنةٌ وأقلام بغير علمٍ ولا برهان، فينبغي الحذرُ من ذلك كلِّه، والسّلامة لا يعدِلها شيء، كما ينبغي الحرصُ على جمعِ كلمة المسلمين، فحين تحصل الفرقة والنفرةُ وشتات الكلمةِ يستبدّ كلُّ ذي رأي برأيه، ويدّعي كلٌّ الكمالَ لنفسه، ويعجِب كلَّ سالكٍ مسلكُه، ويحصُر الحقّ والغَيرة في نفسه وفئتِه، فيحتقرُ إخوانَه، ويزدري مسلكَهم، ويثير الغبارَ من حولِهم، وحينئذٍ تتنافر القلوب، ويقع التهاجرُ والتقاطع، وتضعف الدّعوة إلى الله، وتقلّ منفعةُ العِلم، ولا يقع القبول والتّوجيه والإرشاد، ويتغلغل الأعداء، ولعمرو الله إنّ هذه لهي بُغية الأعداء، فلا حولَ ولا قوّة إلا بالله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحياةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذالِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمّد ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله فالقِ الإصباح، أحمدُه سبحانه وأشكره على نعمٍ تتوالى وتتجدّد في المساء وفي الصباح. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبد الله ورسوله، أغنى نورُ رسالته عن كلِّ مصباح، صلّى الله وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتّابعين ومن تبِعهم بإحسان فسلك سبيلَ الفلاح.
أمّا بعد: أيّها المسلمون، عندما تتقرَّر خطورةُ التّكفير وعِظمُ شأنه وشدّةُ القول فيه فإنّ ذلك لا يعني التساهلَ وتمييعَ القضايا وإغلاقَ بابِ الردّة عياذًا بالله والحكمَ بالإيمان لمن ظهَر كفرُه بالدليل والبرهان وانشرَح صدرُه بالكفر والطّغيان، ولكن المقصود بيانُ خطرِ المسألة والحذر من الجرأةِ في اقتحام أبوابِها حتّى قال بعض أهل العلم: إنّك لو متَّ ولم تقُلْ في فِرعونَ شيئًا لم يؤاخِذك الله بذلك يومَ القيامة.
فالتكفير ـ رحمكم الله ـ عندَ أهلِ العلم خطير، له شروطٌ وموانع بيّنها أهل العلم، فقد يكون الرّجل لم تبلُغه النصوصُ الموجبة لمعرفة الحقّ، وقد تكون عنده ولكنّها لم تثبُت عنده أو لم يتمكّن من فهمها، وقد تعرضُ له شبهاتٌ يعذُره الله بها، فمَن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلبِ الحقّ وأخطأ فإنّ الله يغفِر له خطأه كائنًا ما كان، سواء من المسائل النظريّة أو العمليّة، هذا الذي عليه أصحابُ رسول الله وجماهير أئمّة الإسلام، وأهلُ العلم قد يحكمون على الأمر بأنّه كفر، ولا يحكمون بأنّ كلَّ من وقع منه خارجٌ من الملّة؛ لأنّ شرطَ ذلك أن لا يكونَ له عذرٌ مقبول.
ألا فاتّقوا الله رحمكم الله، واحفَظوا ألسنتَكم، ولا يستجرِيَنّكم الشيطان، واجتمِعوا على الحقّ، وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ آلْعِقَابِ [المائدة:2] .