وقال الله تعالى: ?إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ? (6) قال ابن كثير رحمه الله: أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر.
وقال الله تعالى: ?يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً? (7) ففيها أن أفضل ما يعطى المرء القرآن والسنة.
وأما ماورد عن النبي e في بيان فضل العلم والحث عليه فأكثر من أن نحيط به في هذه العُجالة فمن ذلك ما أخرجه الشيخان عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) ) (8) وهذا يدل على أن من لم يفقهه الله في الدين فإنه لم يرد به خيراً وأن من أراد به خيراً رزقه فقهاً في الدين مصاحباً للعمل بهذا الفقه.
ومن أعظم ماورد في بيان فضل العلم والحث عليه ما رواه أصحاب السنن عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول: (( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العبد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورِثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر ) ) (9) .
وهذه الفضائل والمناقب التي جعلها الله تعالى للعلم توضح مدى أهميته وأثرِه في تحقيق عبودية الله سبحانه وإصلاح أحوال الخلق.
والعلم الذي وردت فيه هذه المزايا إنما هو علم الوحيين الكتاب والسنة.
قال ابن القيم رحمه الله:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
وأمتنا اليوم هي أشد ما تكون حاجةً إلى العلم النافع الصحيح وإلى العلماء الذين يذبون عن أركان الشريعة وهم أمناء الله من خلقه وهم الواسطة بين النبي e وأمتِه، المجتهدون في حفظ ملته الذين هم بالشرع مستمسكون ولآثار الصحابة والتابعين مقتفون لا يعرجون على الأهواء ولا يلتفتون إلى الآراء. يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله.
فيا أمة العلم والقرآن هلا شمرنا عن سواعد الجد والاجتهاد وهجرنا السِنَةَ والرقاد وجفونا الملاهي والملذات في سبيل تحصيل العلم الذي به تسمو الأقدار وتشرئب إلى أهله القلوب والأبصار وتُحصل به الدرجات الكبار إذ العلم عز لا تثلمه الليالي والأيام ولا تتحيفه الدهور والأعوام فهو هيبةٌ بلا سلطان وغنى بلا مال ومنعةٌ بلا أعوان.
فعليكم أيها الإخوة الكرام بميراث الأنبياء فاطلبوه من مظانه واجتهدوا في تحصيله الليالي والأيام وابذلوا في سبيل ذلك الأنفس والأموال واسألوا الله سبحانه التوفيق إلى التمام والكمال واستعينوا على ذلك بالإخلاص والذكر اللذين بهما تُجتاز هذه المفاوز والقفار.
ومما يؤزنا إلى العلم أزاً ويدفعنا إليه دفعاً أن نعلم أنه بالعلم يعبدُ المرءُ ربَه على بصيرة وهدى، وبالعلم يدعو أهل الدعوة الخلق إلى الله على مناهج أولي الأبصار والنهى وبالعلم نميز الحق من الباطل ونفرق بين الهدى والضلال.
وبالعلم الصحيح الصادق والدعوة الخالصة المثابرة والجهاد الدائم في سبيل الله تخرج أمتنا من أنفاق التعاسات والظلمات والانتكاسات إلى ساحات السعادات والأنوار والانتصارات قال الله تعالى: ?وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ? (10) ولن يكون إيمان وعمل صالح إلا بعلم نافع ولا استخلاف ولا تمكين إلا بدعوة وجهاد.
تعلم فإن العلم زين لأهله وفضلٌ وعنوان لكل المحامد
تفقه فإن الفقه أفضل قائد إلى البر والتقوى وأعدل قاصد
هو العَلمُ الهادي إلى سنن الهدى هو الحصن ينجي من جميع الشدائد
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث إلى عامة الورى بالحق والهدى والنور والضياء وعلى آله وأصحابه الأطهار الأنقياء وعلى سائر عباد الله الأتقياء. .
أما بعد. .
عباد الله اعلموا أننا عندما نتحدث ونتكلم عن العلم وفضله ومنزلة أهله فإننا لا نخاطب بذلك فئة من الناس أو شريحة من المجتمع بل نتحدث ونخاطب الجميع الصغير والكبير، الذكر والأنثى فالعلم ليس وقفاً على طائفة من الناس لا يرده غيرهم بل هو مباح للجميع إذ العلم يحتاجه كل أحد فحري بنا كباراً وصغاراً ذكوراً وإناثاً أن نبذل قُصارى جهدنا في تحصيل العلم وكسبه. فلا يمنعن كبيراً كِبَرُ سنه أن يطلب العلم ويتفقه ويستدرك ما فات من عمره فإن استدراك المعالي فضيلة ولأن تكون كبيراً متعلماً أولى من أن تكون كبيراً جاهلاً وقد حُكي أن بعض العلماء رأى شيخاً كبيراً يحب العلم ومجالسه إلا أنه يستحي من كبر سنه فقال له: يا هذا أتستحي أن تكون في آخر عمرك أفضل منك في أوله ؟
والمطالع في سير العلماء الفضلاء والأئمة النبلاء يرى أن بعض كبار من ذاع صيتُهم وعلا ذكرهم وترددت أسماؤهم في مجالس الذكر وكتب العلم ودواوين السنة لم يبدؤوا رحلتهم في طلب العلم وتحصيله إلا بعد أن تقدمت بهم السن ومع هذا كله حازوا الفضائل وبلغوا الأماني وكان لهم من الأثر في زمانهم وبعده ما حفظه التاريخ لهم والسر في هذا أن العلم فضلٌ من الله تعالى ومنَّه ?ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ? (11) فليست الفضائل العلمية والمراتب العلية مرهونة بالأسباب المادية من حضور الحِلَق وقراءة الكتب وثني الركب فحسب بل الأمر أعظم من ذلك فالعلم حقيقته ما قاله الأول:
فتلك مواهب الرحمن ليست تحصل باجتهاد أو بكسب
ولكن لاغنى عن بذل جهدٍ بإخلاص وجد لا بلعب
فعليكم يا من سلكتم دروب العلم وركبتم مناهج الطلب بصدق التوجه إلى الله تعالى ودعائه بذُلٍّ وخضوع أن يرزقكم علماً نافعاً قال الله تعالى: ?مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ? (12) .