فهرس الكتاب

الصفحة 2342 من 9994

وهذا الوصف تراه يغلب على شباب الأمة اليوم ، الذين ضاعوا أمام تيارات التغريب والغزو الثقافي ، الذين نشأوا وسط عالم مادي بحت ، فالدين مغيَّب ، والدين أفيون الشعوب ، والدين مجموعة من الشعائر يؤديها المرء ـ إن شاء ـ في بيت العبادة ، فلا علاقة للدين بالحياة ، والإنسان مخلوق حر ، والحرية مكفولة لكل أحد ، فلا غضاضة ولا حرج إنْ سارت النساء كاسيات عاريات ، ولا شيء في أن يتشبه الرجال بالنساء ، ولا مانع من الاختلاط ، والزنا بالتراضي لا يدخل في حكم القاضي ، ومقصود الإنسان في هذه الحياة هو"الرخاء والرفاهية"ومن أجلها توضع الخطط الحكومية ، فهي ضمان السعادة ، والمال هو السلاح الأقوى ، وقيمة المرء بما في جيبه لا ما يتقنه .

ولعلك تسمع كل يوم هذه الشعارات ، ويدندون حولها في جميع وسائل الإعلام ، حتى صدقها الناس وصارت كالحقائق التي لا تقبل النقاش ، وكل من يخرج عن هذا الإطار فهو متخلف رجعي أصولي متطرف إرهابي ، يريد لنا أن نعيش بالطريقة التي لم نخترها ، يريد لنا أن نعيش في الكهوف ونعود للعصور الوسطى … إلى آخر هذه الطنطنات التي يرددها من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ، من صارت الحياة همَّه وشغله ، ونسي أنَّ الحياة دار ابتلاء لا دار إخلاد ، فهؤلاء هم الذين أخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم ولم يفكروا فيما بعد الحياة ، لم يؤمنوا بالآخرة فلم يعملوا لها ، ولسان حالهم"ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق"، يريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ، وصفهم الله لنا فقال:"َولَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ"

فلا تتبع من أغفلنا قلبه واتبع هواه وكان أمره فرطًا .

من مظاهر الترف في عصرنا الحالي

إخوتاه ..

إلى هؤلاء اللاهين اللاعبين المترفين أقول: قال الله تعالى"وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ"

فالترف مفسد أي مفسد ، إذ يتعلق قلب صاحبه بالدنيا ، وللأسف الشديد إنَّ أكثر الأمة اليوم يعيش ترفًا غريبًا عجيبًا دخيلاً علينا .

فالفقراء يحاولون أن يفتعلوا الترف ، ولو في بعض الأشياء ، تجده لا يجد إلا قوته الضروري ، ولكنه يقتطع منه من أجل أن يقتني المحمول ، ويشتري أفخر الأثاث ، ويشتري أحدث الأجهزة ، ليشتري الدش فيدخل الفساد على أهله ويقره في بيته دياثة ، وهذا يقتطع من قوت أطفاله لكي يصيّف هنا أو هناك ، والقائمة طويلة تعرفونها جيدًا ، وإلى الله المشتكى .

ترف وللأسف الشديد أمر يخجل ، فلأجل الله يشح ويبخل ، ويقدم لك الاعتذارات لضيق الوقت وضيق ذات اليد و … و… الخ لكن للدنيا وللشهوات يحارب ويدبر ويفكر .

إنه التنافس على الدنيا ، وكأنه لو لم يحصل هذه الأمور سيعيش في الضنك ، وسيبلغ به الحرج المدى ، ولا والله فما الزيادة في الدنيا إلا زيادة في الخسران .

فالغني يصاب بالبطر والكبر ، ويصبح ماله نقمة عليه في الآخرة فيصرخ يوم القيامة:"مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الخاطئون" [ الحاقة /28-37]

والفقير يحلق دينه بالحقد والحسد ، ناهيك عمَّن يتكبر وهو معوز فيدخل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم:"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر" [1] .

فرجل كبير السن يزني ، وملك يكذب على رعيته ولا يحتاج لذلك فإذا كذب غش ، فهنا ـ كما يقول العلماء ـ ضعف الداعي ، وتم الفعل ، فعظم الوزر ، وهذا عائل أي فقير وهو مع هذا مستكبر ، فأن يطغى الغني بالمال هذا أمر معروف قال تعالى:"إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى" [ العلق /6-7 ] لكن فقير يتكبر فلماذا ـ يا عبد الله ـ ؟ !! وكذلك فقير مترف هذا شيء يبغضه الله تعالى .

الترف وإفساد الأبناء

إخوتاه ..

ولا شك أنَّ الترف أفسد أبناءنا ، فوجدنا فينا من يتفاخر يقول: أنا لا أجعل ابني في احتياج إلى شيء أبدًا فأنا ألبي له جميع طلباته ورغباته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت