فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 9994

ففي ظل هذا النظام الراسمالي لا امل باي حرية حقيقية لافراد الشعب المسحوق الذين يرجعون الى بيوتهم صرعى"سباق الفئران"- في تعبيرهم- للتمكن من دفع الفواتير وما جبلوا عليه من نمط حياتي استهلاكي ادى - من ضمن ما ادى اليه- الى تحطيم اواصر الاسرة ونسف القيم الاخلاقية وتفشي الجرائم العنيفة وازدهار صناعة السجون (في بلد تمثال الحرية هناك اليوم اكثر من مليوني مواطن امريكي قابعون وراء القضبان يتعلمون دروسا في الحرية-هذا دون ذكر النسبة الطاغية للافرو امريكيين من هؤلاء النزلاء، وتعجز الولاية الذهبية- كاليفورنيا- عن اللحاق بصناعة السجون المزدهرة اذ تحتاج الولاية الى بناء سجن في كل عام للتمكن من لملمة الاعداد المتفجرة من نزلاء الحرية الامريكية، وبينما كان في السجون 25 الف امراة بتهم المخدرات في 1985 فقد ارتفع الرقم الى 286 الف في عام 2000 ولا تسال عن مصير اولادهن فشارع الجريمة لا يمانع في استيعاب المزيد منهم بينما بوش ورمسفيلد لا يجدان ما ينفقانه على الخدمات الاجتماعية فهم مشغولون بنشر الديمقراطية عبر فوهات المدافع وال اف 16 والتوماهوك كروز)

طبعا ساهم سقوط الاتحاد السوفياتي في اطلاق الجشع الراسمالي من كل عقال، وادى غياب سيف البديل الاحمر الشيوعي الى سفور الراسماليين عن حقيقة اطماعهم اللامتناهية فحطموا ما تبقى من قيود السيادة الوطنية للدول المغلوبة على امرها ليبرروا ، تحت عنوان"العولمة"وافرازاتها، نهبهم لثروات الشعوب واستعباد اهلها تحت شعارات ودعايات هوليوود وماكدونالد الخداعة.

على كل وحتى لا نشتط بعيدا خارجين عن اصل موضوعنا فان الديمقراطية التي يصر كثير من النخب العربية على جعلها مرادفة للعملية الانتخابية وللحكم التمثيلي - وربما يشفع لهم في ذلك شدة سطوة النظم الدكتاتورية التي دفعتهم في حركة ردة فعل لا واعية للاتجاه نحو ما ظنوه فردوس الديمقراطية (نعم كالفراش الذي يندفع في شوق الى النار المحرقة) - تعكس عقيدة ودين شامل يتجاوز بكثير مسالة الانتخابات. .

والحق اننا لو تعمقنا في منشا الديمقراطية هذه لادركنا ان حكم الشعب بالشعب وللشعب- نظريا طبعا- ما هو الا الافراز السياسي لسلسلة تطورات فكرية عصفت بالمجتمع الاوروبي الذي ثار على جمود الكنيسة التي اصرت على محاربة عقارب الساعة بالتشبث بنظريات واهية تعود في جذورها الى وثنية اليونان وما اقتبسوه من فلسفات شرقية قامت على نزعة احتقار المادة والجد في طلب السمو الروحي ،هذه النظرة التي تناقض وتخالف طبيعة الانسان التي فطره خالقه وبارئه عليها. (ومن هنا منشا النظرة الدونية الى الجنس واعتباره مسلكا حيوانيا مدنسا للقيمة الروحية للانسان، والخطيئة الاصلية ..الخ)

فقد اثبتت الكشوفات العلمية بطلان وفساد النظريات الوهمية التي اصرت الكنيسة على فرضها بموجب نظرية الحق الالهي المتجسد عبر السلطة الباباوية،و ادت هذه الكشوفات ومارافقها من وعي فلسفي من جمهرة من الفلاسفة والمفكرين الاوروبيين الى خلع جذور النظام الديني القروسطي الذي كان متحالفا مع رجال الاقطاع، فوجد الملوك ضالتهم في تبني هذه الطروحات الاصلاحية ليكرسوا نفوذهم السياسي على حساب كل من الكنيسة ورجال الاقطاع مطلقين بذلك الموجة الثانية (بحسب تعبير توفلر) والتي فتحت الابواب مشرعة امام الثورة الصناعية التي واكبت عصر"الانوار"والذي مهد بدوره لديمقراطية اليوم حيث يتمتع افراد قلائل بثروات تفوق مئات الملايين مجتمعين؛ وحيث الالهة الجديدة من راسمالية الشركات المتعددة الجنسيات يقررون في اجتماعاتهم المغلقة مصير البشرية

الا انه مما يقدح في نبل متنوري اوروبا انهم لم يجدوا حرجا ليس فقط في غض النظر عن حروب الابادة الوحشية التي رافقت سعار الحملة الاستعمارية الامبريالية الواسعة في القرن ال 19 بل وفي تبريرها ايضا كون هذه القرابين البشرية (اي ابادة ملايين من السكان الاصليين، كما يذكر مايك ديفيس في كتابه"الهولوكست المنسي"ان 60 مليونا من سكان المستعمرات قضوا نحبهم نتيجة الموجة الاستعمارية فيما بين 1870-1906) ثمن ضروري لبناء المستقبل الزاهر للبشرية (كما ذهب داروين حين عقب على المجزرة ضد سكان تسمانيا على يد الجيش الانجليزي بان المستقبل سوف يثبت احقية الرجل الابيض في القضاء على العناصر الهمجية المنحطة بحسب نظريته في"البقاء للاصلح")

ولذا فقد كان من المنطقي تماما ان يجرب هاري ترومان بعض العابه ضد الشعب الاصفر بالقائه قنبلتي هيروشيما وناغازاكي متفوقا بذلك على هتلر الذي لم يتاح له تنفيذ"الحل الاخير"القاضي بتفوق العرق الجرماني على ما سواه، كما كان من المنطقي تماما تجرية اسلحة النابالم في فيتنام والقنابل العنقودية في قانا واهداء رجل السلام شارون مائة طائرة من اف 16 وان يدفع 500000 من اطفال العراق الثمن لتحقق اولبرايت اهداف راسماليي الوول ستريت .

من هنا نرى ان الديمقراطية المزعومة ما هي الا افراز نتن لدين العالمانية الذي قام على انقاض دين الكنيسة الذي خرج عن خطه الاصيل الذي جاء به المسيح عليه السلام، حين اصر رجالات الكنيسة على اضفاء الصفة الالهية على اجتهاداتهم البشرية الخاطئة.

اي"العالمانية"نسبة الى العالم ، هي دين قام على اساس انكار وجود الاله مطلقا ولذا فينحصر اهتمام هذا الدين بالركض الحيواني في الحياة الدنيا دون ادنى اعتبار لاي مقياس اخلاقي او روحاني اذ انه ينكر الناحية الروحية، والمتعلقة بالايمان بوجود خالق للكون وللانسان، انكارا تاما. ولذا لم يكن بدعا من القول التناقض الشنيع بين الالهة المتعددة فبينما يذهب توماس هوبس الى ان الانسان شرير بطبعه ولا بد من سلطة عليا تقمع جماحه ،يرى جون لوك انه خيرولكن لا بد من وجود عقد ينظم حدود علاقته بالاخرين، وكذا ذهب روسو الى وجوب اخضاع الاقلية الرافضة لدكتاتورية الاكثرية ...الا ان قرونا من التجارب الديمقراطية في حل العقدة الكبرى التي عبر عنها روسو بانها:ايجاد صيغة من العقد الاجتماعي تضمن شخص ومال كل فرد بحيث يستطيع الفرد طاعة نفسه فقط (اي يكون سيد نفسه) بينما هو عضو كامل العضوية في الجماعة الام (المجتمع) ... هذه الصيغة لم يعثر عليها بعد ارباب الديمقراطية الغربية ، ولنا عودة في مقال اخر -بعون المولى- لتبيان فساد وبطلان وتناقضان اولئك القوم من المنظرين الغربيين

فمن من هؤلاء نتخذه ربا في تناقضاتهم الكثيرة؟؟

اخلص الى ان هناك فرق شاسع بين ان يكون الانسان عبدا لسواه من البشر -مهما حسنت نواياهم- من امثال جان جاك روسو او فولتير ، جون لوك او توماس هوبس او سواهم كامثال القضاة المشرعين الذين يحرمون اليوم ما اباحوه بالامس او العكس- او يكون عبدا لخالق السموات والارض بحسب وحيه الثابت المحفوظ الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

فالاسلام يتناقض جملة وتفصيلا مع دين العالمانية (وليس العلمانية كما يروق لبعضهم ان يروج الترجمة غير الدقيقة)

والله سبحانه هو الحكيم الخبير العليم بما ينفع البشر وما يضرهم في تسيير شؤون حياتهم

ولم يكن غرض الوحي يوما قط ان يشرح للناس علوم الرياضيات والفيزياء وغيرها من السنن الكونية، وانما اطلق الاسلام للعقل البشري حريته ليسع في عمارة الارض بما يخدم مصالحه الدنيوية ملتزما في ذلك كله بالشرع السماوي الذي يضمن للجميع- مسلمين وغير مسلمين- الحياة الكريمة النظيفة. و لايخفى ان اول اية نزل بها الوحي هي"اقرا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت