الدليل الثاني: ما أخرجه ابن المبارك في الزهد، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (585) عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال:"إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم".
في هذا الحديث يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المسلمين إذا زخرفوا المساجد، وخالفوا أمر الله ورسوله؛ وذلك لأنه كما سبق لم يأمر بزخرفتها، فإن الدمار عليهم، وقد يكون هذا دعاءٌ من النبي على من زخرف المساجد، فتخيل حال من دعا النبي - صلى الله عليه وسلم عليه بالدمار؟! لا شك أن حاله إما فتنة في دينه أو دنياه، وفي الآخر عذابٌ أليم، قال الله- تعالى-: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنةٌ أو يصيبهم عذابٌ أليم} .
الدليل الثالث: أن في الزخرفة وتشيد المساجد ضرب من التباهي المذموم، فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من علامات الساعة التباهي بالمساجد، فعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد".
وقد وقع ما أخبر به الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم - فلقد تباهى الناس بالمساجد، فتجد البعض من الأمراء والقادة والوزراء ورجال الأعمال يبنون المساجد ويزخرفونها، ثم لا يصلون فيها إلا في مواسم معينة،وربما أعلنوا عن بنائهم لذلك المسجد عبر وسائل الإعلام المختلفة.
قال العلامة ابن رسلان - رحمه الله-: هذا الحديث فيه ظاهرة لإخباره - صلى الله عليه وسلم - عما يقع فإن تزيين المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان.. بأخذهم أموال الناس ظلماً وعمارتهم بها المد راس على شكل بديع، نسأل الله السلامة والعافية4.
ولكن لا يفهم من ذلك ذم بناء المسجد بحد ذاته، ولكن المقصود ذم ما أحدثه الناس فيه من البدع والمباهات التي تغضب الجبار تبارك وتعالى.
الدليل الرابع: أن في زخرفة المساجد إتباع لسنن اليهود والنصارى، فما من كنيسة ولا معبد يهودي إلا وفيه أنواع الزخارف والنقش والتصاوير؛ حتى أنهم يصورون صور أنبيائهم على جدران معابدهم، وقد سار بعض جهلة المسلمين على طريقتهم؛ حتى أن بعض المساجد التي يقوم عليها بعض الفرق الضالة من تعلقون صور مشايخهم في نحو القبلة، وعلى جوانب المساجد، وهذا ما أخبرني به من اثق بديانته أنه دخل بعض مساجدهم ورأى ما فيها من البدع والصور، وصدق الصادق المصدوق حيث قال:"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن"رواه البخاري ومسلم.
وقال حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس- رضي الله عنه- كما في البخاري موقوفاً:- لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى.
وقال الشيخ حمود التو يجري: النوع العشرون: ومن التشبه بأعداء الله - تعالى - ما ابتلي به كثير من المسلمين قديماً وحديثاً من تشييد المساجد وزخرفتها، والتباهي بها قديماً وتشيد الماضين وزخرفتهم ومباهاتهم لا شيء بالنسبة إلى تشييد أهل زماننا وزخرفتهم بعضهم بعضاً، وهذا من أشراط الساعة5.
الدليل الخامس: أن الزخرفة تؤدي إلى مفاسد كثيرة، منها إفساد الخشوع على الناس في صلاتهم، وقد كان النبي من أحرص الناس على الخشوع في الصلاة، فلقد دخل ذات يوم بيتاً، فرأى فيه قرني الكبش، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن طلحة فقال له:"إني كنت رأيت قرني الكبش حيث دخلت، فنسيت أن آمرك أن تخمرها، فخمرها، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي"رواه أحمد.
قال الشوكاني: والحديث يدل على كراهة تزيين المحاريب وغيرها مما يستقبله المصلي بنقش أو تصوير أو غيرهما مما يلهي، وعلى أن تخمير التصاوير مزيل لكراهة الصلاة في المكان الذي هي فيه لارتفاع العلة، وهي اشتغال القلب المصلي بالنظر إليه6.
هذا إذا كان في البيت، والذي لا يشرع فيه إلا صلاة النافلة، وأهل البيت الذين عددهم قليل جداً، فكيف بالمساجد التي يصلى فيها الصلوات الخمس المفروضة، وعدد المصلين فيها بالمئات، بل بعضها يكون عدد المصلين بالآف، والذي يعد الخشوع فيها ركن من أركان الصلاة، ؟ لا شك أن الأمر أشد من ذلك وأخطر.
ومما يؤيد أن الزخارف والنقوش تلهي المصلي في صلاته، ما رواه البخاري عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لها:"أميطي قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي"وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بـ: باب إذا صلّى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته وما ينهى عن ذلك."