فهرس الكتاب

الصفحة 7910 من 9994

أيها المسلمون، أمرنا الله بالصبر وجعله من أسباب العون والمعيّة الإلهية، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } البقرة153. فالصبر سبب بقاء العزيمة ودوام البذل والعمل، وما فات لأحد كمال إلا لضعف في قدرته على الصبر والاحتمال، وبمفتاح عزيمة الصبر تُعالج مغاليق الأمور، وأفضل العُدَّة الصبر على الشدَّة.

أيها المسلمون, ونظرًا لحاجة الناس هذه الأيام للتذكير بالصبر على المصائب وافتقارهم الشديد إليها، نظراً لانخفاض قيمة الأسهم. لعلنا نذكّر بثمان قواعد ووصايا تعين المسلم في الصبر على المصائب، وهي:

أولاً: إعداد النفس: فعلى المسلم أن يهيِّئ نفسه للمصائب قبل وقوعها، وأنْ يدرِّبها عليها قبل حدوثها، عليه أنْ يتذكّر دومًا وأبدًا زوال الدنيا وسرعة الفناء، وأنْ ليس لمخلوق فيها بقاء، وأنّ لها آجالاً منصرمة ومُددًا منقضية، فلا تؤمِّلْ أنْ تبقى الدنيا على حال أو تخلوَ من تقلُّب وإصابة واستحالة، فإنّ من عرف الدنيا وخبر أحوالها هان عليه بؤسها ونعيمها، ومن أحبَّ البقاء والسعادة فليُعِدَّ للمصائب قلبًا صبورًا.

ثانيًا: مما يعين على الصبر على المصائب الإيمان بالقضاء والقدر: من آمن بالقضاء والقدر وعلم أنّ الدنيا دار ابتلاء وخطر وأنّ القدر لا يُردّ ولا يؤجَّل اطمأنت نفسه وهان أمره. ومن المشاهَد المعلوم أنّ المؤمنين صادقي الإيمان هم أقلّ الناس تأثُّرًا بمصائب الدنيا، وأقلُّهم جزعًا وارتباكًا. إنَّ الإيمان بالقضاء والقدر وأن ما أصابك من خسارة أو هبوط قيمة أسهمك إنما هو بقدر الله، لم يأت من عدو ولا حاسد، وإنما هو من أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، قال تعالى {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } التوبة51 وقال تعالى {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } التغابن11وقال عليه الصلاة والسلام[كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة [رواه مسلم

ثالثًا: مما يعين على الصبر على المصائب: تذكر حال الرسول r والسلف الصالح:

الرسول الله r أسوة لكل مسلم ، وفي تأمُّل حاله عليه الصلاة والسلام عظة وسلوى وعزاء، فقد كانت حياته كلها صبرًا ومصابرةً وجهادًا. ومن أعظم ما يخفف مصيبة المصاب، تذكره لمصيبته بموت الحبيب r .

ومن تأمَّل أحوال السلف الصالح وجدهم رضي الله عنهم قد حازوا الصبر على خير وجوهه.

رابعًا: مما يعين على الصبر عند المصائب استحضار سعة رحمة الله وواسع فضله:

المؤمن الصادق في إيمانه يُحْسِن ظنَّه بربه، وقد قال الله كما أخبر الحبيب r: [أنا عند ظن عبدي بي] . فثقوا بسعة رحمة الله بكم، وأنّ أقداره خير في حقيقة أمرها وإنْ كانت في ظاهرها مصائبَ مكروهةً وموجعةً، وقد قال الله: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ، وقال رسول الله r: [عجبًا للمؤمن! لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له] رواه الإمام أحمد. ثمَّ تأمَّلوا فيما حباكم به الله من النعم والمنن لتعلموا أنّ ما أنتم فيه من البلاء كقطرة صغيرة في بحر النعماء، وتذكَّروا أنّ الله لو شاء لجعل المصيبة أعظم والحادثة أجل وأفدح، واعلموا أنّكم وإن وُقيتم الخسائر المادية، فقد كُفيتم من الحوادث ما هو أعظم مما أُصبتم به.

خامسًا: التأسي بغيره من أهل المصائب: تسلوا بصبر غيركم وتذكَّروا مصائبهم، وانظروا إلى من هو أشدّ مصيبة منكم، فإنّ في ذلك ما يُذهب الأسى ويخفف الألم ويقلِّل الهلع والجزع. واسألوا الله له التفريج، والعوض، وتذكَّروا أنّ مَن يتصبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله.

سادسًا: تذكّر أنّ المصائب من دلائل الفضل: المصائب ـ عباد الله ـ دليل فضل المصاب، وكيف لا يكون ذلك وقد سأل سعد بن أبي وقاص t رسول الله r فقال: يا رسول الله، أيُّ الناس أشد بلاء؟ قال: [الأنبياءُ، ثم الأمثل فالأمثل] رواه الترمذي، وقال r: [مَن يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه] رواه البخاري.

سابعًا: تذكّر حُسن الجزاء: ليتذكر كل منا حُسن الجزاء ليخف حمل البلاء عليه، فإنّ الأجر على قدر المشقة والصبر عليها، والنعيم لا يُدرك بالنعيم، والصبر على مرارة العاجل يفضي إلى حلاوة الآجل، وإنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، والصبر عليه ، وحصول الصلوات والرحمة من الله والهداية مترتب على الصبر على المصائب. قال تعالى {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } البقرة 157 وفي صحيح مسلم ـ رحمه الله ـ عن النبي r قال [عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له [ ويقول سبحانه {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } الزمر10

فاتقوا الله ـ رحمكم الله ـ واصبروا وأمِّلوا يثبتكم الله، ولا تطغينكم الصحة والثراء والرخاء، ولا تضعفنكم الأحداث والشدائد والمصيبات والبليات؛ فإن فرج الله آت ورحمته قريب من المحسنين، وما عند الله لا ينال إلا بطاعة، {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فاطر2 بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الهدى والبيان. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه يحب التوابين وهو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ للهِِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِِهِ وَامْتِنَانِِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ الدَّاعِِي إِلَى رِضْوَانِهِِِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِِ وَعَلَى آلهِِِ وَأَصْحَابهِِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، فَإِنَّ تَقْوَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَبَبُ للفرج من الشدائد والمصائب، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً } الطلاق3

أيها المسلمون، ثامنا: و مما يعين أيضًا على الصبر عند المصائب ترك الجزع والتشكي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت