فهرس الكتاب

الصفحة 5148 من 9994

فقال للرسول: إذا قضى التجار حاجاتهم وأرادوا الرجوع إلى الشام فآذنوني ..

فلما أراد التجار الرجوع أرسلوا إليه .. وواعدوه في مكان .. فتحيل حتى فك القيد من قدميه ..

ثم خرج إليهم فانطلق معهم إلى الشام ..

فلما دخل الشام .. سألهم من أفضل أهل هذا الدين علماً ؟

قالوا: الأسقف في الكنيسة ..

فتوجه إلى الكنيسة .. فأخبر الأسقف خبره .. وقال له: إني قد رغبت في هذا الدين .. وأحب أن أكون معك .. أخدمك .. وأصلي معك .. وأتعلم منك ..

فقال له الأسقف: أقم معي ..

فمكث معه سلمان في الكنيسة ..

فكان سلمان يحرص على الخيرات .. والتعبد والصلوات ..

أما الأسقف فكان رجل سوء في دينه .. كان يأمر الناس بالصدقة ويرغبهم فيها ..

فإذا جمعوا إليه الأموال .. اكتنزها لنفسه .. ولم يعطها المساكين ..

فأبغضه سلمان بغضاً شديداً .. لكنه لا يستطيع أن يخبر أحداً بخبره .. فهو غريب .. قريب العهد بدينهم ..

فلم يلبث الأسقف أن مات ..

فحزن عليه قومه .. واجتمعوا ليدفنوه ..

فلما رأى سلمان حزنهم عليه قال: إن هذا كان رجل سوء .. يأمركم بالصدقة .. ويرغبكم فيها .. فإذا جئتموه بها .. اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئاً ..

قالوا فما علامة ذلك ؟ قال: أنا أدلكم على كنزه .. فمضى بهم حتى دلهم على موضع المال .. فحفروه .. فأخرجوا سبع قلال مملوءة ذهباً وفضة ..

فقالوا: والله لا ندفنه أبداً .. ثم صلبوه على خشبة .. ورجموه بالحجارة ..

وجاءوا برجل آخر .. فجعلوه مكانه في الكنيسة ..

قال سلمان: فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس .. كان خيراً منه .. أعظم رغبة في الآخرة .. ولا أزهد في الدنيا .. ولا أدأب ليلاً ولا نهاراً منه .. فأحببته حباً ما علمت أني أحببته شيئاً كان قبله ..

فلم يزل سلمان يخدمه .. حتى كبر وحضرته الوفاة ..

فحزن على فراقه .. وخاف أن لا يثبت على الدين بعده .. فقال له:

يا فلان .. قد حضرك ما ترى من أمر الله .. فإلى من توصي بي ؟

قال: أي بني .. والله ما أعلم أحداً على ما كنت عليه .. لقد هلك الناس وبدلوا .. وتركوا كثيراً مما كانوا عليه ..

إلا رجلاً بالموصل وهو فلان .. وهو على ما كنت عليه فالحق به ..

فلما توفي الرجل العابد .. خرج سلمان من الشام إلى العراق ..

فأتى صاحب الموصل ..

فأقام عنده .. حتى حضرته الوفاة .. فأوصى سلمان لرجل بنصيبين ..

فشد رحاله إلى الشام مرة أخرى ..

حتى أتى نصيبين .. فأقام عند صاحبه طويلاً .. حتى نزل به الموت .. فأوصاه أن يصاحب رجلاً بعمورية بالشام ..

فذهب إلى عمورية ..

وأقام عند صاحبه .. واكتسب حتى كانت عنده بقرات وغنيمة .. ثم لم يلبث العابد أن مرض ونزل به الموت .. فحزن سلمان عليه .. وقال له مودعاً:

يا فلان إلى من توصي بي ؟ فقال الرجل الصالح:

يا سلمان .. والله ما أعلم أصبح على مثل ما نحن فيه أحد من الناس آمرك أن تأتيه .. يعني لقد غير الناس وبدلوا ..

ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفية .. يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين ( أي جبلين أسودين ) بينهما نخل .. به علامات لا تخفى:

يأكل الهدية .. ولا يأكل الصدقة .. بين كتفيه خاتم النبوة ..

إذا رأيته عرفته .. فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل ..

ثم مات ودُفن فمكث سلمان بعمورية ما شاء الله .. أن يمكث ..

وهو يلتمس من يخرج به إلى أرض النبوة ..

فما زال كذلك .. حتى مرَّ به نفر من قبيلة كلب .. تجار .. فسألهم عن بلادهم .. فأخبروه أنهم من أرض العرب ..

فقال لهم: تحملونى إلى أرضكم .. وأعطيكم بقراتي وغنيمتي ؟

قالوا: نعم .. فأعطاهم إياها .. وحملوه معهم ..

حتى إذا قدموا به وادي القُرى .. طمعوا في المال .. فظلموه وادعوا أنه عبد مملوك لهم .. وباعوه لرجل من اليهود .. فلم يستطع سلمان أن يدفع عن نفسه ..

فصار عند هذا اليهودي يخدمه ..

حتى قدم على اليهودي يوماً ابن عم له من المدينة من يهود بنى قريظة .. فاشترى سلمان منه ..

فاحتمله إلى المدينة .. فلما رآها .. ورأى نخلها .. وحجارتها .. عرف أنها أرض النبوة التي وصفها له صاحبه .. فأقام بها .. وأخذ يترقب أخبار النبي المرسل ..

ومرت السنوات ..

وبعث الله رسوله عليه السلام فأقام بمكة ما أقام .. وسلمان لا يسمع له بذكر ..

لشدة ما هو فيه من الخدمة عند اليهودي ..

ثم هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومكث بها .. وسلمان لا يدري عنه شيئاً ..

فبنما هو يوماً في رأس نخلة لسيده .. يعمل فيها .. وسيده جالس أسفل النخلة ..

إذ أقبل رجل يهودي من بني عمه .. حتى وقف عليه .. فقال:

أي فلان .. قاتل الله بني قيلة .. يعني الأوس والخزرج .. إنهم الآن لمجتمعون على رجل بقباء .. قدم من مكة يزعمون أنه نبي ..

فلما سمع سلمان ذلك .. انتفض جسده .. وطار فؤاده ..

ورجفت النخلة .. حتى كاد أن يسقط على صاحبه .. ثم نزل سريعاً وهو يصيح بالرجل: ماذا تقول ؟ ما هذا الخبر ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت