هل سيقول لى الآن: يا أيتها الروح الطيبة اخرجى إلى مغفرة من الله ورضوان ورب راض غير غضبان؟!!
أم يقول يا أيتها الروح الخبيثة اخرجى إلى سخط الله وعذابه؟
ينظر لحظة الصحوة بين السكرات والكربات، فإذا هو يعى من حوله من أهله وأحبابه فينظر إليهم نظرة استعطاف !! نظرة رجاء !!
فيقول بلسان الحال وربما بلسان المقال: يا أولادى.. يا أحبابى.. يا أخوانى لا تتركونى وحدى، ولا تفردونى في لحدى !!
أنا أبوكم، أنا الذى بنيت لكم القصور !! أنا الذى عَمَّرت لكم الدور! أنا الذى نمَّيت لكم التجارة !! فمن منكم يزيد في عمرى ساعة أو ساعتين؟
افدونى بأموالى.. افدونى بأعماركم !!
وهنا يعلو صوت الحق كما قال جل وعلا:
مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29] .
وقد سجل التاريخ لهارون الرشيد عندما نام على فراش الموت فنظر إلى جاهه وماله وقال: ما أغنى عنى ماليه هلك عنى سلطانيه !!
ثم قال: أريد أن أرى قبرى الذى سأدفن فيه !!
فحملوه إلى قبره، فنظر هارون إلى القبر وبكى ونظر إلى السماء وقال: يا من لا يزول ملكه. .. ارحم من قد زال ملكه.
أين الجاه ؟! أين السلطان ؟! أين المال ؟! أين الأراضى والأطيان ؟! ذهب كل شئ !!
سبحانه. .. سبحانه. .. سبحانه.
سبحان ذى العزة والجبروت، سبحان ذى الملك والملكوت، سبحان من كتب الفناء على جميع خلقه، وهو الحى الذى لا يموت.
سبحانك يا من ذللت بالموت رقاب الجبابرة.
سبحانك يا من أنهيت بالموت آمال القياصرة.
كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ: من يرقى بروحه ؟!! أو من يبذل له الرقية والعلاج ؟!!
وقال سبحانه وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ .
إنه يوم المرجع.. إنه يوم العودة. .. انتهى الأجل. .. انتهت الدنيا وحتماً ستعرض على مولاك.
سأل سليمان بن عبد الملك عالماً من علماء السلف يقال له أبو حازم، قال سليمان: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت ؟!
قال أبو حازم: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم أخراكم فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب !!
أحبتى في الله:
فى زيارة إلى أمريكا نبهنى أحد القائمين على الدعوة هناك برجل مَنَّ الله عليه بالأموال، وهو مسلم عربى ومع ذلك لا يصلى، ولا يعرف حق الكبير المتعال ذهبت إليه لأذكره بالله فقال لى بلسان المقال: أنا أتيت إلى هذه البلاد من أجل الدولار وأعدك إن عدت إلى بلدى لا أفارق المسجد قط.
قلت: سبحان الله.. ومنْ يضمن لك يا مسكين أنك سترجع إلى بلدك ؟!!، أو أن يمر عليك يوم بكامله ؟!!!
والله لا تضمن أن تتنفس بعد هذه اللحظات.
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب
والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التى تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب
الليل فاعلم و النهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب
دنياك مهما طالت فهى قصيرة.. ومهما عظمت فهى حقيرة.. لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر.. ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر.
ثم سأل سليمان بن عبد الملك، وقال: يا أبا حازم كيف حالنا عند الله تعالى ؟!!
قال: اعرض نفسك على كتاب الله.
قال سليمان: أين أجده ؟!!
قال: في قوله تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14] .
قال سليمان بن عبد الملك: فأين رحمة الله يا أبا حازم ؟!!
قال أبو حازم إِنَّ رَحمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المحُسِنِينَ [الأعراف:56] .
فقال سليمان بن عبد الملك: فكيف عَرضُنَا على الله غداً؟
قال: أما المحسن فكالعبد الغائب من سفر يقدمُ على أهله، فيستقبله الأهل بفرح، والمسىء كالعبد الآبق يقدِمُ على مولاه.
وفى الصحيحين من حديث عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ) ).
قالت عائشة: يا رسول الله أكراهية الموت؟ كلنا يكره الموت.
قال: (( لا يا عائشة، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بسخط الله وعذابه كره لقاء الله وكره الله لقاءه ) ) ( [8] ) .
وفى صحيح البخارى من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله قال: (( إذا وضعت الجنازة وحملها الرجال على الأعناق تكلمت وسمعها كل شئ إلا الثقلين - أو قال: إلا الإنسان - ولو سمع الإنسان لصعق، فإن كانت صالحة قالت: قدمونى قدمونى !! وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها..!! أين يذهبون بها!! ) ) ( [9] ) اللهم سلم.. سلم.
أيها اللاهى.. أيها الساهى.. أيها الشاب.. أيها الكبير.. أيها الصغير.. أيها الأمير.. أيها الوزير.. أيها الحقير. .
ذكر نفسك، وقل لها !!
وأظلك الخطب الجليلُ يا نفس قد أزف الرحيل
يلعب بك الأمل الطويلُ فتأهبى يا نفس لا
ينسى الخليلَ به الخليلُ فلتنزلن بمنزل
من الثَّرَى حمل ثقيلُ وليركبن عليك فيه
فلا يبقى العزيز ولا الذليلُ قرن الفناء بنا جميعا
وأقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً نبيه ورسوله، اللهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد. .. فيا أيها الأحبة الكرام. ..
هكذا تبدأ رحلتنا في رحاب الدار الآخرة بالموت بعدما بَيَّنا بإيجاز حقيقة الدنيا وتنتهى هذه المرحلة الأولى بالوصول إلى القبر، وها أنا سأقف معكم إن شاء الله تعالى لاحقا أمام القبر، وحقيقة القبر، وما معنى البرزخ؟ وما معنى النعيم؟ وما معنى الجحيم؟ ولماذا لم يذكر الله عذاب القبر صراحة في القرآن؟ وهل ثبتت أحاديث صحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم ؟وما هى حقيقة القبر؟ وما هى حقيقة البعث؟ لنواصل هذه الرحلة التى هى من الأهمية بمكان.
ها أنا ذا أذكر نفسى أولاً ثم إخوانى وأحبابى في هذه اللحظة بالتوبة والإنابة إلى رب الأرض والسموات وأقول:
يا من أسرفت على نفسك بالمعاصى !!
يا من تركت الصلاة في بيوت الله !!
يا من تركتِ الحجاب الشرعى وضيعتِ الصلاة !!
يا من شغلك هُبَل العصرى (التلفاز) والشيطان عن الله عز وجل !!
يا من أعرضت عن مجالس العلم وأماكن الخير والطاعة والعبادة !!
يا من قضيت عمرك على المقاهى وتركت طاعات الله.
تُبْ من الآن إلى الله وسيقبل الله توبتك إن كانت خالصة لوجهه قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الزمر: 53 ]
أقول لك أخى الحبيب:
تُبْ إلى الله ولا تيأس مهما بلغت ذنوبك، مهما كثرت معاصيك اطرق باب الرحمن، فلن يغلق الله في وجهك قط ما دمت تستغفر وتتوب إليه إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [ النساء: 48 ] .
فعاهد نفسك من الآن على التوبة أينما كنت ألم يقل الله عز وجل؟!!