(( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ) ) (الأحزاب:46) .
ولقد كُلِّفت هذه الأمة بما كُلِّف به رسولها صلى الله عليه وسلم، وأمرت بالقيام بدعوة البشرية إلى سبيل رب البرية، قال تعالى: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ) (يوسف:108) .
لقد بينت الآية الكريمة بكلمةٍ واحدة طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهاجه وشرعته، ولكن هذا الإيمان بلغ الغاية في قوته وعظمته ونمائه، فهو ليس كإيمان الناس اليوم، بل يملأ شغاف القلب، ويبلغ حبات الفؤاد، ويستحوذ على جنبات النفوس، إنه إيمان جهاد ودعوة إلى الله، حتى تكون الدعوة إلى الله أحب إلى المؤمن من ماله ونفسه التي بين جنبيه، لقد أعلم الله سبحانه رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن رسالته تتلخص بكلمةٍ واحدة: هي الدعوة إلى الله، ووصفت هذه الدعوة في كتاب الله بصفاتٍ ثلاث:-
أولها: أنها دعوة قائمة على بصيرة، أي حجة واضحة ويقين يتميز به الحق من الباطل، فهي دعوةٌ تعرفها الفطر السليمة، وتوقن بها العقول المستنيرة.
الثانية: أنها ليست قاصرةً على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحده، ولكنها دعوته ودعوة كُلِّ متبع لهديه، مقتدِ بسنته، وهكذا كان المجتمع الإسلامي مجتمعاً يحمل أفرادهُ جميعاً رسالةً واحدة يشرون أنفسهم في سبيلها، فبلغوها العالم بأسرة.
الثالثة: لهذه الدعوة أنها تنابذ الشرك منابذة تامة، ولا تهادنه أية مهادنه، بل تريد القضاء عليه قضاءً مبرماً .
ومع شديد الأسف غفل المسلمون اليومَ عن رسالتهم، فعاد الناس إلى جاهليتهم وشركهم ووثنياتهم، وإن ألبست لبوساً آخر فإن الأسماء لا تغيِّر شيئاً من الحقيقة .
أيها المسلمون: إن الدعوة إلى الله عز وجل من أفضل الأعمال وأجلِّها وأحسنها، وأزكاها، كيف لا تكون كذلك وقد قال سبحانه: (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ) (فصلت:33) .
قال أبن جرير رحمه الله: يقول تعالى ذكره ومن أحسن ـ أيها الناس ممن قال ربنا الله ثم استقام على الإيمان به، والانتهاء إلى أمره ونهيه، ودعا عباد الله إلى ما قال وعمل به من ذلك، وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( من دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله ) )رواة مسلم . وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( من دعاء إلى هدى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثلُ آثام مَنْ تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) ).
وفي حديث سهل بن سعد المتفق عليه أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعلي: (( فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمْر النعّمَ ) ).
أي خير الأبل وأكرمُها وأنفسُها.
ولا ريب ـ أيه الأخوة ـ أن الدعوة إلى الله في وقتنا الحاضر من أهم المطالب وأعظم المقاصد، ونحن بحاجة ماسّة بل فيِ ضرورةٍ ملحّه إلى إصلاح الأوضاع ودعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة، والوعي الشامل الكامل لأحكام هذا الدين، فها هم دعاة الشبهات والشهوات يدعون إلى فسادهم، وينشرون باطلهم على مرأى ومسمعٍ من المسلمين، أ فيليق بأهل الخير والصلاح والدعوة والإصلاح أن يتأخروا وقد تقدّم غيرهم، وأن يستمروا في سباتهم ونومهم وقد تنبه الآخرون، أيجملُ بأهل الإسلام وهم أهل المنهج القويم والصراط المستقيم أن يتركوا المجال لدعاة التنصير، والذين انتشروا في أكثر البقاع بباطلهم، ورَوّجوا لعقائدهم، فهاهم يلجون الأدغال النائية، ويستغلون الشعوب الفقيرة الجاهلة، ويبثون العقائد الفاسدة، وأنه لا بد لكل مسلم ومسلمه من الدعوة إلى الله وكل بحسبه ومقدرته، لا سيما ونحن نرى أيضاً أن شريعة الإسلام وأحكام القرآن قد غيّرت وبدّلت في الكثير من بقاع العالم اليوم، ووسائل الإعلام تبث سمومها، وتنشر باطلها، والمبتدعة ودعاة التصّوف والقبُوريون يجتاحون بقاعِ شتى من العالم، والعلمانيون والرافضة يبثون الشر والفساد ويدعون إلى الكفر والإلحاد.
فلا بدَّ لكل مسلم غيور أن يتصدى لهذا الأمر العظيم بحسب وسعه، (( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) ) (البقرة:286) .
فالغني بماله يبذله للدعوة والدعاة ولمشاريع الخير والإصلاح، والمتعلَّم بعلمه ونصحه وإرشاده، فكلٌ منا على ثغرة، فالمدرس في مدرسته، والطالب مع زملائه، والموظف مع إخوانه، وإمام المسجد مع جماعته، والشاب مع أهل حَيِّه وأسرته، ولا بد من مراعاة أحوال المدعويين، والتلطف والرفق في المعاملة والإحسان وبذل المعروف.
قال عز وجل: (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ) (النحل:125) .
نعم إن الدعوةٌ إلى سبيل الله لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله لا فضل له، يتحدث به لا على الدعوة، ولا على من يهتدون على يديه، فإنما أجره على الله.
قال أبن القيِّم ـ رحمه الله ـ: ( جعل الله مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعي بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده غفلة وتأخر ويدعي بالموعظة الحسنه، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن ) ( أ ـ هـ ) مفتاح دار السعادة .
عباد الله: إننا لو استقرأنا أخبار الرسل ودعواتهم، ونظرنا في تاريخ حركات الإصلاح لوجدنا أن مواقف الناس من الدعوة لا تخرج عن ثلاثة مواقف:-
الصنف الأول: وهم أولئك الذين طَهّر الله تعالى نفوسهم من الكبر والغرور، فعقلوا عن الله ورسوله، وآمنوا بالحق المبين، وعاشوا من أجله وضحوا في سبيله، (( أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) )(الأنعام:
الصنف الثاني: أولئك الذين ماتت ضمائرهم وقست قلوبهم، فوقفوا بكل عناد واستبداد يعارضون دعوات الرسل والأنبياء، ويحاربونها بكل وسيلةٍ، فهؤلاء الملأ دائماً في طليعة من يتصدى لأنبياء الله، لأن نفوسهم قد امتلأت بحب المال والجاه، وقلوبهم قد أشربت كرهَ كلِّ مَنْ يدعو إلى دين الله، قال سبحانه عنهم: (( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ) ) (سبأ:34 ) .
وقومُ نوح أقرب مثال على هذا: (( وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً ) ) (نوح:7 ) .
بل إنهم يصرفون الآخرين عن الدعوة وعن الحق لئلا ينعموا به، (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) ) (فصلت:26) .
إنهم يتآمرون ويمكرون ويكيدون، (( وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ) )(نوح: ،22