فهرس الكتاب

الصفحة 8799 من 9994

وكما فعل أحمد بن حنبل يوم فتنة خلقِ القرآن ، وكما فعل محمدُ بن عبد الوهاب يوم تاهت في فجاجِ الشرك، كلُّ أولئك وغيرهم، إنَّما هم أفرادٌ وهبهم اللهُ من السماتِ والخصائص ما وهبهم، ثمَّ أدبوا أنفسهم وربوها، وأكسبُوها من خصالِ الجدِّ والعزم والصدق والصبر ما أهَّلهم للقيادة، ورشَّحهم للتأثير والتغيير. ولأجل ذلك فإنَّهُ لا عجب أن يمرَّ بالأمةِ أزماتٍ ومحنٍ وشدائدَ، ولكنَّ العجبُ ألاَّ يخرجَ من أبنائها من يصُد عنها ، العجبُ أن تنجحَ مشاريعُ الأعداءِ في تشتيتِ اهتماماتِ رجال الأمة، وتنجحَ في تسطيحِ اهتماماتِ شبابها ، فلا يعرفون قيمةَ ذواتهم، ولا يفهمون مهمتهم، ولا يُقدِّرون ما وهبهم اللهُ من مواهب وقدرات، فتضيعُ حياتُهم في الركضِ وراءَ المصالحِ الشخصية، أو خلفَ الشهوات الدنية. فتبقى قضايا الأمةِ الكبرى من الدعوةِ والجهاد، والنجدةِ والإغاثة والإصلاح، لا نمنحها إلاَّ المواهبَ المتواضعة، والأوقاتِ المتقطعة، والفكرِ المكدُود، أخذ عُمر بن الخطاب مجلسهُ من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال لهم: (( تمنو: فقال أحدهم: أتمنى لو أنَّ هذه الدارُ مملوءةً ذهباً فأُنفقهُ في سبيل الله، ثم قال عمر: تمنو: فقال: آخر أتمنى لو أنَّها مملوءةً لؤلؤاً، أو زبرجداً، أو جوهراً، فأنفقهُ في سبيل الله، وأتصدقُ به"فلا زالَ يقولُ لهم تمنوا حتى قالوا"ما ندري يا أميرَ المؤمنين ! ما ندري يا أميرَ المؤمنين ! فقال عُمر: أتمنى لو أنَّها مملوءةً رجالاً مثلَ أبي عبيدةَ بن الجراح، ومعاذَ بن جبل، وسالم مولى أبي حُذيفة، وحذيفةَ بن اليمان ) ).

أجل لقد كان مشغولاً بالأفرادِ الأفذاذ، الذين تكاملَ تكوينهم إيماناً وعلماً، وصدقاً وصبراً، وتضحيةً في سبيلِ الله، أولئكَ أنفعُ للأمةِ من الذهبِ والفضةِ، ومن اللؤلؤ والزبرجد. هؤلاءِ الرجال هم الذين يُغيرون مجرى التاريخ، وهم مَن تقومُ عليهم الحضارات ، وتسيرُ بهم في الآفاقِ المباديء والدعوات .

أيَّها المصلون:

في كلِ فردٍ منَّا خصائصَ ومواهب، وصفاتٍ لو أخدمها للإسلامِ لتغيرَ طعم الحياةِ في مذاقه ، ولأحسَّ بقيمته وقدره، والإسلامُ لا يريدُكَ أن تُغير ميولِك، أو تلغي صفاتِك ، وإنَّما يُريدُك أن توجهها الوُجهةَ الصحيحة، يُريدُك أن تزدادَ بها شرفاً ورفعةً، ويُريدُها أن تزيدَك قُرباً من ربك. فمن كان قوياً شُجاعاً مِقداماً، فعلام يَضيعُ ذلك في العبثِ والمغامرات الرياضية، والإسلامُ بأمسِ الحاجةِ إلى شُجاعٍ يُقدِّمُ نفسه، أو يصدعَ بالحقِ ، ومن كان بليغاً فصيحاً فدُونهُ دعوةُ الحقِّ، فهي أحقُّ بمن كان ناصعٌ بيانه، وفصيحٌ لسانُه، ومن كان رقيقُ القلبِ، سخيُّ النفس، ليَّن الطبع، ففي الأمةِ من هُم بأمسِ الحاجةِ لفؤادٍ رءُوف، وقلبٍ عطُوف، قال- صلى الله عليه وسلم- {"كلٌ ميسرٌ لما خُلق له"} فعُمر بن الخطاب- رضي الله عنه- كان رجلاً قوياً شُجاع القلبِ والرأي، إذا اعتنق رأياً صدعَ به، ونافحَ عنه ، كان قوياً في المواجهةِ، قادراً على التحدي، ولذلك نالَ المسلمين ما نالهم منهُ، وهو على الكفرِ، فلمَّا هداهُ الله للإسلامِ، حولَ خصائصَ القوةِ إلى خدمةِ الإسلام، سماتُهُ كانت كما هي، ولكنَّهُ استثمرها في الدعوةِ للحقِ والدفاعِ عنه ، فالذي كان يتهددُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصبحَ اليومَ يصرخُ في وجوهِ الكُفار بشهادة الحق، ويقول:" [ أحلف بالله لو قد كُنَّا ثلاثُمائةَ رجلٍ لقد تركناها أو تركتموها لنا"] يعني قاتلناكم في مكةَ حتى تكون لنا أولكم، فقوتَه المُهدرةُ قبل الإسلامِ أصبح يُتاجرُ بها مع الله، ويشتري بها الجنة. وخالدُ بن الوليد- رضي الله عنه- الذي كان يهدِرُ فروسيتهُ وخبرتهُ القتالية من أجلِ أهدافِ القبيلة، أصبحَ يستثمرُها بعد الإسلام لخدمةِ الرسالةِ العالمية، والدين العظيم، فكان يقولُ - رضي الله عنه- ( ما ليلة تُهدى إليَّ فيها عروسٍ أنا محبٍ لها ، أو أُبشرَ فيها بغلامٍ بأحب إلىَّ من ليلةٍ شديدةَ الجليد، بتُّ فيها مع نفرٍ من المهاجرين أُصبِّحُ بها العدو ) .

أجل إنَّ الخسارةَ أن يَهبَك اللهُ عقلاً سليماً ، وجسماً صحيحاً ، ويُنعِّمُ عليك بما لا تعدهُ من النِّعم والمواهبِ والقدراتِ والحياةِ المديدة، ثم تضيعُ من بين يديكَ في تافهِ الاهتمامات! وهل أعظمُ من أن يخسرَ الإنسانُ نفسه ! (( ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) )ولذلك سمى اللهُ القيامة"يوم التغابن"لأنَّ فيه غبناً وحسرةً وألماً وندامةً، على فُرصٍ ضاعت، وقُدراتٍ أُهدرت، ومواهبَ أُهملت، يومَ القيامةِ يُنادي كل عبدٍ بحسبِ اهتماماتهِ في الدنيا.

قال صلى الله عليه وسلم: (( فمن كان من أهلِ الصلاةِ دُعي من باب الصلاةِ ، ومن كان من أهلِ الجهادِ دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهلِ الصيامِ دُعي من باب الريان، ومن كان من أهلِ الصدقةِ دُعي من باب الصدقة ) فقال أبو بكرٍ وكان ذا همةٍ عاليةٍ، ونظرةٍ طموحةٍ ( يا رسولُ الله ما على أحدٍ يُدعى من هذه الأبواب من ضرورة،) ويعني من أيُّ بابٍ دُعي الإنسانُ ما دام سيدخُلُ الجنةَ، فليس عليه من بأسٍ أن يُدعى من باب الصلاةِ، أو من باب الزكاةِ، أو من باب الصومِ، أو من باب الجهادِ، أو من غيرها، فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبوابِ كلها ؟ قال صلى الله عليه وسلم: (( نعم وأرجو أن تكون منهم ) ).

إنَّ جماع الخيرِ، ومعراج الفلاح، أن تربي نفسك على أن تعشق المعالي والأهداف العظيمة، أن تعرف قيمةَ ذاتك، وأن تنعتق من الدورانِ حولَ نفسك؛ فليست الحياةُ الكريمةُ أن تلبسَ أحسنَ اللباس، وتسكُن فارهَ المساكن، أو تحُوز أضخمَ الأرصدةِ، ليس ذلك هو النجاحُ، وليس هو التفوقُ، بل هو الإخفاقُ بعينه. فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- (( تعس عبدُ الدينار ، تعس عبدُ الدرهم ، تعس عبدُ الخمصيةِ، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعطى منها سخط، تعس وانتكس، وإذا شيكَ فلا انتقش ) )انظر كيف نعتهُ الله بالعبوديةِ للدرهمِ والدينار والخمصيةِ، وليس بعد ذلك دناءةً، وذلك وصفٌ لأهلِ الدنيا المشتغلين بها، الذاهلين عما خُلقوا من أجله، فلا يَعنيهم شيءٌ من أحوال أمتهم ولا دينهم. ثمَّ يمضى الحديثُ الشريف يذكر صنفاً يُقابلُ هذا الصنفُ ويُعاكسه في السعي والاتجاه، فيقولُ- صلى الله عليه وسلم- (( طوبى لعبدٍ آخذٌ بعنانِِ فرسه في سبيل الله، أشعثٌ رأسه ، مغبرةٌ قدماه ، إن كان في الحراسةِ كان في الحراسةِ، وإن كان في السَّاقةِ كان في السَّاقة، إن استأذنَ لم يُؤذن له، وإن شفعَ لم يُشفَّع ) )فهو كبيرُ الهدف، عظيمُ النفس، حتى وإن بدا في أعين الناسِ لا شأن له، فلا يضرهُ ذلك، فقد قال فيه صلى الله عليه وسلم: (( طُوبى له ) ).

الخطبة الثانية

واعلموا رحمكم الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت