إن من اتصف بالكبر والعلو لا ينال إلا الهوان والصغار بحكم الله تعالى المتكبر المتعال الذي حكم على من رفضوا الحق ، وجادلوا فيه فقال سبحانه فيهم (( إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ) ) (غافر:56)
وبين سبحانه وتعالى أن أهل العلو والاستكبار مصروفون عن تدبر آيات الله تعالى الشرعية، وعن فهم سننه الكونية (( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ) ) (الأعراف: 146) .
ووالله الذي لا يحلف إلا به إن هذه الأوصاف لموجودة في قوى الظلم والطغيان في هذا العصر، ومن وافقهم في ظلمهم وسوغه لهم من المنافقين والظالمين والجاهلين.
ولقباحة العلو والاستكبار، وما يخلفه من الأفعال الرديئة ، والأخلاق الذميمة ؛ تعوذ موسى عليه السلام من أهله وقد رأى فتكه بقلب فرعون (( وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ) ) (غافر: 27) .
وأمة بني إسرائيل أمة قد اصطفاها الله تعالى على من كان قبلها من الأمم ، وفضلها عليهم، وجعل النبوة فيهم، وامتن عليهم سبحانه بذلك (( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ) (البقرة: 47) .
وذكرهم نبيهم موسى عليه السلام بهذه النعمة العظيمة فقال لهم: (( يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ ) ) (المائدة:2.) .
ولكن كفار بني إسرائيل بدلوا دين موسى وداود وسليمان عليهم السلام ، ثم قتلوا يحيى وزكريا عليهما السلام في جملة من الأنبياء الذين قتلوهم، ثم كذبوا عيسى ومحمدا عليهما السلام، ووضعوا السم لأفضل البشر، وخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، فمات متأثرا بسمهم، وحاولوا قتل عيسى عليه السلام إلا أن الله تعالى نجاه منهم، ورفعه إليه، وسينزله في آخر الزمان لقتالهم على دين خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم.
إن أفعال بني إسرائيل القبيحة من تكذيب الرسل وقتلهم ، واحتقار غيرهم من البشر وظلمهم، وبطر الحق، وغمط الناس ما كان إلا بسبب كبر وعلو امتلأت به نفوسهم، واسودت به قلوبهم، وفسدت به أخلاقهم ، فلا يرون الحق إلا في أقوالهم وأفعالهم ولا عجب حينئذ أن نرى اليهود يعتدون على الدول، ويبيدون البشر، ولا يذرون حجرا على حجر، ولا عجب أيضا أن يؤيدهم في علوهم وظلمهم، ويباركه لهم ؛ إخوانهم من صهاينة النصارى الإنجيليين ، ويزعمون أن اليهود بظلمهم وإجرامهم إنما يدافعون عن أنفسهم فحسب ؛ وذلك لأن مشرب الطائفتين واحد ، وثقافة العلو والاستكبار تردهم من مصدر واحد ، من توراة محرفة ، وتلمود مؤلف، جعل لهم ميزات على سائر البشر ، ومنحهم الأرض ومن عليها ملكا لهم يفعلون بها وبأهلها ما يشاءون مباركين من الرب سبحانه وتعالى ، هكذا يعتقدون فيعملون بما يعتقدون، تعالى الله العلي الكبير عن إفكهم وظلمهم ، وعاملهم سبحانه بما يستحقون .
وعلوهم الذي أخبر عنه القرآن لا يخفونه هم عن الناس ، بل يظهرونه ويعلنونه ، ويفاخرون به على غيرهم ، في عنصرية بغيضة ، واحتقار لغيرهم ممقوت . ودونكم أيها المسلمون بعضا من أقوالهم لتعرفوا مدى علوهم ، وتفهموا لم يفعلون ما يفعلون في هذا الزمان الذي ساد فيه رعاة البقر ، وأكلة الخنزير ، وزعموا أنه عصر التحضر والرقي البشري ، يقول كبير الصهاينة التوراتيين في وقته ، رئيسهم ابن جوريون عقب انتهاء عمليات العدوان الثلاثي على مصر مخاطبا جنده ( لقد أرجعتمونا إلى المكان الذي أُعطينا فيه القانون ، وفيه كلفنا الرب بأن نكون شعباً مختاراً) ويقول آخر منهم (سيسود شعبنا اليهودي كل الشعوب الأخرى. إن إسرائيل هذه هي الأمة العليا التي تملك القدرة على التوسع ، وأن تصبح سيدة العالم دون النظر بعين الاعتبار إلى ما يمكن أن يكلف هذه الشعوب الأدنى مقاماً ؛ لأن الأمة العليا وحدها فقط هي زهرة البشرية وذروتها وما خُلقت الأمم الأخرى جميعاً إلا لتخدم هذه النخبة)
ويخطب أحدهم فيهم فيقول: ( كل إنسان آخر على الخطأ وأنت اليهودي وحدك على الصواب ، لا توجد حقيقة واحدة في العالم وهي بكاملها ملكك أنت) ثم يقول: (إن التوراة والسيف أنزلا من السماء معاً) مشيراً إلى العقيدة والقوة المعتمدة على السيف والسلاح.
ويقول أحد حاخاماتهم: (إن الفرق بين اليهودي وبين غير اليهودي كما الفرق بين الروح الإلهية والبشر. فشعب إسرائيل صفوة الشعوب ؛ إذ هو مخلوق من روح الله ، بينما أرواح الشعوب الأخرى مخلوقة من النجاسات الثلاث) .تعالى الله عن إفكهم علوا كبيرا.
فلا تعجبوا - أيها الإخوة - من أفعالهم التي تنقل إليكم هذه الأيام لحظة بلحظة في فلسطين ولبنان ؛ لأنهم لا يرون غيرهم إلا بحسب مقولاتهم وقناعاتهم تلك.
ولا تعجبوا أيضا من سكوت مختلف طوائف النصارى الغربيين ممن يملكون القدرة على الإنكار عليهم ، ووضع حد لجرائمهم؛ لأن الجميع من كفار بني إسرائيل ، ولو زعموا أنهم أتباع عيسى عليه السلام ، وعبدوه من دون الله تعالى فهو بريء منهم ، ولسوف يقاتلهم مع الطائفة المؤمنة من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، فيكسر صليبهم، ويقتل خنزيرهم.
وأما أمة العرب فقد ضيعوا أمر الله تعالى ، فوكلهم الله تعالى إلى أنفسهم ، فذلوا وهانوا، واستبيحوا شر استباحة ؛ إذ أدار المعارك الأولى مع اليهود قوم من العرب أداروا ظهورهم لدينهم ، وتنكروا لكتاب ربهم ، ورفعوا شعارات القومية العربية في مقابل القومية الطورانية التركية ، فنقلوا المعركة من ميدانها الديني الشرعي إلى جاهلية عمياء ، وعصبية خرقاء ، وركبوا ما ركب اليهود من عصبية الدم والعرق ، فضربوا في النكبة ، ثم قضي عليهم في النكسة ، فأعلنوا الاستسلام ، واستجدوا السلام من اليهود وحلفائهم في الغرب ، ووعدوا شعوبهم إن قبلوا الاستسلام بأحلام وردية ، وجنة شرق أوسطية ، عبر السلام البارد ثم الدافئ ثم سلام الشجعان ؛ ليعلن هذه الأيام أمين المنظمة العربية عن موت عملية السلام وانتهائها بعد ثمان وعشرين سنة ميلادية من التخبط والضياع، والتعلق بالأوهام ، وإحسان الظن بالأعداء ، فيا للفضيحة التي التي دونها التاريخ بمداد الخزي والعار في هذا الزمان.
وكيف يظن هؤلاء المخدوعون أن الذين صنعوا لليهود دولة في عقر ديارنا ، ومكنوهم من التفوق على مجموع قوتنا وجيوشنا يمكن لهم في يوم من الأيام أن يقفوا معنا ضد اليهود أو يمكنونا من صدهم أو إضعافهم ، هيهات هيهات؛ فالله تعالى يقول: (( وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ) ) (الأنفال: 73) .