والعجيب أن كثيراً من العرب لا يزالون يتصورون أنه لا حل للأزمة مع اليهود إلا بكسب صداقة أصدقاء اليهود، والمراهنة على الضغوط ، التي تمارسها ضدهم الدول الكبرى والمنظمات الدولية، وهذا وهم آخر، فالله تعالى يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) ) (المائدة:51-52) .
وقد أزالت هذه الأحداث كثيرا من الأوهام ، وأثبتت ما قرره القرآن من حقيقة الأعداء ، ولا مخرج للأمة من هذه الأزمة العظيمة إلا بالرجوع إلى الله تعالى ، والاستمساك بدينه ، والثقة به وحده دون غيره ، ونبذ كل الأسباب البشرية التي ما زادت الأمة إلا ضعفا ووهنا ، وزادت الأعداء تسلطا وبغيا ، وقطع كل الحبال إلا حبل الله تعالى ، فهو حبل النصر والعز والتمكين (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ) (محمد: 7) .
(( أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ) ) (النساء: 139) .
جعلنا الله تعالى من أنصار دينه ، ومن أهل عزته وكرامته.
اللهم يا غوث المستغيثين، ويا ناصر المستضعفين انصر المسلمين على اليهود ومن حالفهم ، وأنج المستضعفين من المؤمنين في لبنان وفي فلسطين يا رب العالمين.
اللهم يا قاصم الجبابرة، ويا كاسر الأكاسرة، ويا مذل القياصرة أنزل الذل والهوان والعذاب على اليهود وحلفائهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين، أنت حسبنا ونعم الوكيل، وأنت مولانا فنعم المولى والنصير، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وأطيعوه (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) ( الأحزاب: 7.-71) .
أيها المسلمون: لقد قضى الله تعالى - وقضاؤه نافذ لا محالة - بأن ذلة بني إسرائيل وهوانهم دائم معهم، ملازم لهم، أينما كانوا، وفي أي زمان عاشوا إلا بحبلين اثنين لا ثالث لهما:
حبل من الله تعالى بدخولهم في دين الإسلام كما دخل فيه سيدهم وابن سيدهم عبد الله بن سلام رضي الله عنه، أو بدخولهم تحت دولة الإسلام بعقود أمان أو ذمة.
وأما الحبل الثاني فهو حبل القوى النافذة من البشر ، وهو حبل الناس.
(( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) ) ( آل عمران: 112) .
ومن قرأ تاريخ اليهود طيلة عهودهم التي أعقبت عهد الاصطفاء يجد أنهم ما خرجوا عما قضاه الله تعالى عليهم من الذل والهوان إلا بهذين الحبلين ، وفي دولة الإسلام دخلوا تحت حماية المسلمين بعقد الذمة حتى سقطت خلافة بني عثمان ، فانحاز اليهود إلى قوى الاستعمار يتعلقون بحبلها ، ويستمدون القوة منها إلى يومنا هذا ، ولا يمكن أن ينفرد اليهود بقوة لوحدهم ، ولا أن يواجهوا غيرهم بأنفسهم ؛ فلا بد من حبال عسكرية وسياسية واقتصادية تمدهم بالمعونة والقوة ، هذا هو قدر الله تعالى عليهم ، وحكمه فيهم؛ جراء علوهم وإفسادهم.
ثم قضى سبحانه وتعالى فيهم بالهلاك والدمار إن أفسدوا في الأرض المباركة وهي أرض بيت المقدس وما حولها، وأخبر أنهم سيفسدون مرتين ، وأن علوهم سيزداد، وأن تسليط عدو عليهم يستبيحهم يكون في أوج علوهم واستكبارهم ، وأنهم إن عادوا إلى الفساد والعلو عاد الله تعالى عليهم بالعذاب والنكال على أيدي بعض عباده ، وتلك سنة دائمة ثابتة فيهم، قررها القرآن العظيم ، ووقعت في تاريخهم (( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً * عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ) ) ( الإسراء: 4-8) .
إن قضاء الله تعالى فيهم ظاهر ، وحكمه فيهم واضح ، وسنته فيهم ثابتة (( وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ) )أي: إن عدتم إلى العلو والفساد عدنا عليكم بالعقوبة والعذاب ، وقد عادوا إلى العلو والفساد فسلط الله تعالى عليهم أمة الفرس فخربوا عمرانهم وأبادوا خضراءهم، ثم عادوا إلى الفساد والعلو بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، فسلط الله تعالى المسلمين عليهم في غزوات النضير وقينقاع وقريظة وخيبر ، فكانوا بين القتل والسبي وبين الطرد والجلاء ، ثم عادوا للعلو والفساد فسلط الله عليهم أمة الألمان النازية فطاردوهم وعذبوهم وحرقوهم.
وبعد توطينهم في بيت المقدس زاد علوهم ، واستفحل فسادهم ، وأمدهم إخوانهم وحلفاؤهم والمسارعون فيهم بحبالهم ؛ ليعلوا علوا كبيرا ، وليتبروا ما علوا تتبيرا، ولسوف يحق عليهم وعد الله تعالى ، وتدركهم سنته الأبدية (( وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ) )وسنة الله تعالى فوق إرادة البشر ، وقدرته سبحانه غالبة لأسلحتهم وأسلحة من يصلونهم بحبالهم ، وما نفع أجدادهم من قبل ما توثقوا به من حبال البشر، وقطعت سنة الله تعالى كل حبل ممدود إليهم (( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) ) (فاطر:43) وكلما زاد علوهم ، واستفحل فسادهم؛ دل ذلك على قرب عذابهم، ودنو هلاكهم، عجل الله تعالى ذلك بمنه وفضله، وحفظ المسلمين من شرهم وعلوهم وفسادهم.
ألا فاتقوا الله ربكم، واستمسكوا بدينكم، وانصروا إخوانكم في الأرض المباركة بكل ما تستطيعون من أنواع النصرة، ومن أعظم ذلك الدعاء الخالص الصادق، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده، إنه على كل شيء قدير.
ألا وصلوا وسلموا على نبيكم.