فهرس الكتاب

الصفحة 7941 من 9994

وعن فضالة بن عبيد قال:"لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] "، وقال مالك بن دينار:"الخوف على العمل أن لا يُتقبل أشد من العمل"، وقال عبد العزيز بن أبي رَوّاد:"أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ أيقبل أم لا؟"، وكان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر، فيقال له: إنه يوم فرح وسرور! فيقول:"صدقتم، ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملاً، فلا أدري أيقبله مني أم لا". ومثل هذه المحاسبة ومثل هذا الشعور مما ينبغي أن يكون لدى المسلم الصادق.

وإن العجب كل العجب أننا ما إن نخرج من شهر رمضان حتى نكون كالذي ضمن القبول، فلا يفكّر أحد في عمله، ولا يراجعه، ولا يتأمل مدى إخلاصه فيه، ولا يلحّ على ربه أن يتقبل منه، حتى ذلك الدعاء الذي كنا نقوله كل ليلة في رمضان:"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العلم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم"، حتى هذا الدعاء لم يعد له نصيب وحظ، وشتان ما بيننا وبين أسلافنا في هذا، فلقد كانوا يدعون الله ستة أشهر بعد رمضان أن يَتقبل منهم.

رَأى وهيب بن الورد أقوامًا يضحكون في يوم عيد فقال:"إن كان هؤلاء تُقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يُتقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين".

أيها المسلمون، إنها ليست دعوة للقنوط واليأس، ولكنها دعوة إلى محاسبة النفس؛ لأن محاسبة النفس على العمل والخوف من عدم قبوله من صفات المؤمنين وسمات أهل الصلاح المتقين، ومما ينبغي أن يكون في مثل هذه الأيام.

أيها المسلمون، ولئن كان قبول العمل من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، فإن لكل أمر علامة، ولكل تجارة أمارة، ولقبول العمل علامات تدل عليه، وإن من علامة قبول العمل الصالح الاستمرار عليه والمداومة على أدائه، فقد قال بعض السلف: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وفي الحديث: (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ) )، وعن علقمة قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله يختص من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عمله دِيمَة، وأيكم يطيق ما كان رسول الله يطيق. رواه البخاري.

اعلموا ـ رحمني الله وإياكم ـ أن للمداومة على العمل الصالح فوائد عظيمة، منها أن هذا كان من دأبه ، قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله إذا عمل عملاً أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة. رواه مسلم. ومنها دوام اتصال القلب بخالقه مما يعطيه قوة وثباتًا وتعلقًا بالله. ومنها تعهد النفس عن الغفلة وترويضها على لزوم الخيرات حتى تسهل عليها وتصبح ديدنًا لها. ومنها أن المداومة سبب لمحبة الله، وفي الحديث القدسي: (( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ) )رواه البخاري. ومنها أن المداومة سبب للنجاة من الشدائد، وفي الحديث: (( احفظ الله يحفظك، تعرّف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة ) )رواه الإمام أحمد. ومنها أن المداومة سبب لحسن الختام، أسأل الله لي ولكم حسن الختام، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] . ومنها أنها صفة عباد الله المؤمنين، قال الله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23] .

أيها المسلمون، وكان السلف رحمهم الله في غاية الحرص على دوام العمل وإثباته وعدم تركه، فكانت عائشة رضي الله عنها تصلي الضحى ثماني ركعات ثم تقول: (لو نُشِر لي أبواي ما تركتهنّ) ، وحين عَلّم رسول الله عليًا ما يقوله عند نومه قال علي: (والله ما تركتها بعد) ، فقال له رجل: ولا ليلة صِفّين؟ قال علي: (ولا ليلة صِفّين) ، وقال عفّان:"قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير وقراءة القرآن والعمل لله تعالى منه".

أيها المسلمون، أما إنه يقبح بالمسلم أن يبني في رمضان صرح إيمانه ويجمله ويزيّنه ثم إذا انقضى الشهر عاد فهدم ما بنى وأفسد ما شيّد، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92] ، فالله ينهانا أن نكون كهذه المرأة الحمقاء التي تنسج غزلها حتى إذا أبدعته وأحكمته نقضته، ثم عادت تغزل من جديد. وهذا وللأسف حال أكثرنا في كل عام، يعمل ويعمل ويعمل في رمضان، حتى إذا بلغ من الخير مبلغًا وبدأ يحسّ طعم العبادة ولذّة الخشوع هدم كل ذلك بعد رمضان، فإذا جاء رمضان آخر شرع يبني من جديد، فلا يكاد يبلغ منزله الأول حتى ينتكس.

والتأمل في هذا كله يقتضي من المؤمن أن يستمر على ما كان عليه من طاعة في رمضان، وأن يواصل كفّه عما كفّ عنه من معاصي في هذا الشهر الكريم، وما أقبح الحَوْر بعد الكَوْر، وما أقبح أن يتدنّس بذنوب المعاصي من قد تطهّر منها، وما أشنع أن يرجع التائبون إلى حمأة الرذيلة، وأن يتلطّخوا بأوحال المعصية بعد أن توضّؤوا بنور الطاعة.

يا رجال التوبة، لا ترجعوا إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الفطام، فالرضاع يصلح للأطفال لا للرجال، ولكن لا بد من الصبر على مرارة الفطام، فإن صبرتم تعوّضتم عن لذة الهوى بحلاوة الإيمان في القلوب، ومن ترك شيئًا لله لم يجد فقده.

يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل. يا من وفّى في رمضان على أحسن حال، لا تتغير بعده في شوال. يا من أصلح في رمضان وعزم على الزلل في شوال، ويحك فإن ربّ الشهرين واحد.

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

الخطبة الثانية

أما بعد: أيها المسلمون، لقد علّمنا شهر رمضان أننا نستطيع أن نبكي من خشية الله، وأن نذرف الدمع بين يديه، وأن نجهش في صلاتنا بالبكاء، وعلّمنا أننا نستطيع أن نقوم الليل ونصوم النهار ونكثر من قراءة القرآن، وعلّمنا أننا نستطيع أن نديم المكث في المساجد، وعلّمنا أننا نستطيع أن نترك كثيرًا من شهواتنا ورغباتنا.

لقد فضحنا هذا الشهر، وكشف كذب دعاوى الكثيرين ممن يزعم أنه لا يستطيع البكاء أو الصلاة أو قراءة القرآن أو البقاء في المسجد. فهل نتعلم هذا الدرس؟! هل ندرك أننا نقدر على فعل الكثير عندما نريد فعله؟! هل نتذكر أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وأن في وسعنا أن نفعل الشيء الكثير؟!

عباد الله، ما أسرع ما يتقضّى الزمن، وما أعجل ما تمضي الأيام، كنا بالأمس نستقبل رمضان، ونحن اليوم نودّعه ونبكي عليه، ولم يكن بين استقبالنا ووداعنا إلا أيام قلائل مرّت مرور الطيف ولمعت لمعان البرق الخاطف، ثم غادرتنا مُقَرِّبة إلينا آجالنا مُقَصِّرة من آمالنا. وعما قريب تتقضّى الأيام المقدّرة، وتدنو الآجال المكتوبة، ويفارق المرء دنياه، غير حامل زادًا إلا زاد العمل الصالح، ولا لابسًا لباسًا إلا لباس التقوى، فأيّنا أعدّ لذلك اليوم عدّته واتخذ له أهبته؟! أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ [النساء:78] ، قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ [الجمعة:8] ، وقال سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:158] ، فالله الله في ساعة لا شكّ في مجيئها، واجعلوا في تصرّم شهركم عبرة تذكّركم بتصرّم أعماركم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت