أن بعض الدعاة قد يحدد لنفسه منهجا جيدا ويرسم أهدافا يسعى لتحقيقها وفق المنهج الشرعي، ولكن إذا لم تتحقق هذه الأهداف يميل إلى اليأس والسأم والتعب، ثم يترك الدعوة، وهذا خلل كما قلت فيجب أن ننتبه لذلك، وكم رأينا من الذين تركوا الدعوة بعد أن ساروا فيها زمنا طويلا لأنهم يأسوا.
يونس عليه السلام وهو نبي ورسول:
(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) .
نعم، (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) أي مذنب، وبعد ذلك بعد أن نجاه الله ورجع إلى قومه:
(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) .
فعاقب الله جل وعلا يونس عليه السلام وهو نبي رسول لأنه يأس من قومه ولم ينتظر إذن الله جل وعلا له فترك قومه بع أن حذرهم وأنذرهم فعاقبه الله جل وعلا بالإغراق وابتلاع الحوت له. ولولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه عقابا له إلى يوم يبعثون.
هذا وهو نبي رسول، فكيف بنا أيها الأحباب، الواحد منا يدعو سنتين أو أقل أو أكثر ثم يحيل نفسه على التقاعد، ويقول عجزت وتعبت.
كم أتمنى وأقولها بحسرة أن أجد عند بعض الدعاة صبر النملة ومحاولات النملة.
تيمورلنك عندما هُزم في معركة من المعارك وتفرق جيشه ذهب إلى أحد المغارات، وهو جالس بعد هزيمة نكراء وجد نملة تحاول الصعود ثم تسقط، وتحاول ثم تسقط حتى عادت الكرة عشرات المرات ثم نجحت، فقام وخرج وجمع جيشه وحرب حتى انتصر، فالحذر من اليأس والقنوط..
الوقفة الثالثة:
الداعية الصادق ماذا يريد؟ يريد النصر لدينه والنجاة لنفسه.
أما النجاة لنفسه فقد تضمن الله بها إن كان صادقا مخلصا في دعوته.
وأما النصر للدين فليس لك بل هو لله جل وعلا، ليس لنا:
(لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) .
(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) .
ولله في ذلك حكمة كما بينت قبل قليل، قد يكون في حكمة الله أن لا ينتصر هذا الداعية في حياته، وأن يكون انتصار منهجه بعد وفاته أعظم وأكبر.
الوقفة الرابعة والأخيرة:
أن من أعظم أنواع الانتصار هو الانتصار على النفس، الانتصار على شهوات النفس وعلى رغباتها، وعلى تخاذلها، بل إنه شرط ولازم من لوازم الانتصار الحقيقي، والذي لا ينتصر على نفسه لا يمكن أن ينتصر على غيره.
فإذا انتصرنا على شهواتنا وعلى رغباتنا وعلى وساوس الشيطان في صدورنا وانتصرنا على العقبات التي تقف أمامنا فثقوا بنصر الله:
(وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) .
(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) .
(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) .
أيها الأحباب:
هذا هو مفهوم انتصار الداعية، وهذه هي الحقيقة، فلذلك علينا أن نجد ونجتهد مهما حاول الظالمون ومهما حاول عداء الله لكبت هذا الدين:
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) .
(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) .
محاولات الأعداء مستمرة، وهم مجتهدون ولا ييأسون ويحاولون ويكررون المحاولات وهم على باطل، ونحن على الحق ومع ذلك فمنا اليأس ومنا المستعجل، ومنا من قد يتنازل عن منهجه - وإن شاء الله لا يكون منا، ولكن أتكلم بالجملة-، والقليل القليل من يثبت على منهج الله، وعلى ما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصحابته الكرام، وهذا هو طريق النصر بل هذا هو النصر الحقيقي.
فيا أحبابنا ويا إخواننا تفاءلوا، الأعمى يقول لأبنه: يا بني كيف نحن من الليل؟
فإذا قال له: قد اسود الليل، قال: قد قرب الفجر:
اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج
فصبرا أيها الأحباب، وثبات على المنهج وتواصيا بالحق وتواصيا بالصبر، وثقوا أن وعد الله لا يتخلف أبدا.
هذا ما أوجه به نفسي أولا، وأوجه به إخوتي الكرام ثانيا، وأسأل الله جل وعلا أن يثبتني وإياكم على الحق، وأن يجعلنا من المنتصرين في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
واحات الهداية