فهرس الكتاب

الصفحة 8359 من 9994

النبي صلى الله عليه وسلم ذاهب إلى قتال الكفار ويحتاج إلى جهود الأشخاص ـ بعد الله سبحانه وتعالى ـ، ومع ذلك لما وقع منهم ما يُلبس لم يسكت صلى الله عليه وسلم ويقول: لأقاتل بهم أولاً ثم أعلّمهم التوحيد بعد ذلك، لا.. بل أنكر عليهم صلوات ربي وسلامه عليه لعلمه أن من مات على الشرك مخلدٌ في نار جهنم وإن أتى بأعمال كقدر السماوات والأرض لقول الله سبحانه وتعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} .

وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه، قال:"كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولاً أنْ لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت"، وذلك لأنهم كانوا يتبركون بها ويرون أنها تدفع العين، وأنها تجلب النفع وتدفع الضر، وما كان هذا إلا لأن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أنصح الخلق للخلق يعلم أن جزاء التوحيد أن صاحبه إلى جنات الخلد بإذن الله جل وعلا، وأن من أشرك بالله سبحانه وتعالى مخلد في نار جهنم.

من أجل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى هذا حق الدعوة، وبذل حياته في تحقيق هذا الهدف، وبيان هذه الغاية التي خلقت من أجلها الخليقة.

ولقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا في أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الرُّقى والتمائم والتِّولة شرك"، وهذا الحديث العظيم يبين لنا مسألة عظيمة جداً وهي: أن من الرُّقى وهي القراءة على الناس ما يكون شرك، وذلك أن يأتي أحد فيرقى بغير أسماء الله وصفاته، فيستعيذ بالشياطين أو يستعيذ بالجن من أجل الاستشفاء كما يفعله الدجالون والكهنة (والذين يُسمَّوْن في هذا الزمن سادة) ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يك سيدا، فقد أسخطتم ربكم عز وجل"، فهذا السيئ، لا يسمى سيداً بحال من الأحوال لأنه يستعين بمردة الجن ويستعين بالشياطين، فإذا جاءه المريض ودخل عليه وجد شخصاً أقذر ما يكون على وجه الأرض، متسخ الثياب أو أنه يكون ضريراً أعمى لم يستطع أن يرجع البصر لنفسه، فيأتي هذا العبد المخدوع يريد أن يطلب الشفاء من رجل لم يستطع أن يذهب الإعاقة عن نفسه، فكيف يأتي الصحيح إلى مريض لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ليرقيه بالرقى الشيطانية؟!

هذا النوع من الرقى شرك يا عباد الله والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"من أتى كاهنا أو عرافا فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"، فيا ويح من أمضى حياته بالصلاة والصيام من حين نشأ منذ شبابه إلى حين شاخ بعد هذا العمر الطويل، فيأتي هذه الأعمال ويشرك بالله جل وعلا عند رجل من رجال السوء يسمى: (سيد أو مطوع) فيرقيه برقية شيطانية فيذهب دينه بعد أن يلتجأ القلب إلى الشياطين، ويأمره بذبح خروف أحمر أو ديك أصفر أو ما شابه ذلك، أو أن يأخذ من ملابسه شيئا فيبيّته عنده.

هذه من علامات الكهان يا عباد الله، ومن ذهب لهم فقد ضيع نصيبه من الله وقد أشرك بالله وكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يحدث بينه وبين بعض الناس خصام فيقول: فلنذهب إلى السيد فلان نحلف عنده أنك لم تأخذ مالي، وهذا يرى أن ذلك الرجل يضر وينفع من دون الله، فمن اعتقد هذا الاعتقاد فقد خسر خسرانا مبينا وأشرك بالله، وهذا النوع من الرقى والقراءة شرك بالله ولا يجوز الذهاب إلى من كانت هذه صفاته، وأما الرقية والقراءة إذا كانت من كتاب الله وكانت بلسان عربي فصيح واعتقد العبد أنها سبب من الأسباب وإنما المسبب هو الله ـ سبحانه وتعالى ـ الذي بيده الضر والنفع، إن فعل هذا وهو معتقد ذلك فلا بأس به، ولكن إذا ذهب إلى هؤلاء الدجالين الذين يدينون بالشرك ويستعينون بالشياطين فقد ضيّع نصيبه من الله، ومن أشرك بالله فلا ينفعه صوم ولا حج ولا صلاة ولو جاء بمثل هذه الأرض وملئها أعمالاً صالحة فلن تنفعه عند الله.

التوحيد يا عباد الله.. التوحيد إفراد الله بالعبادة وأن لا يلتفت هذا القلب إلا لله.

إن العبد لو جاء بشيء من أنواع المعاصي وكان موحدا يطمع أن يدخله الله في رحمته، ولكن لو كان مشركاً فلا يطمع برحمة الله أن تناله، {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} .

وأما المقصود بالتمائم فهو ما يعلقه بعض الناس، مما يسمى عند بعضهم (حرز) أو (جامعه) هذا الذي يُصنع من جلد، حيث يعمل الكاهن لمن قصده ورقة، ويجعل فيها رسوما متعارضة أو أنه يدعو فيها الشياطين، فيذهب الزائر بعد ذلك فيجلدها بجلد فيعلقها على رقبته أو في سيارته أو يضعها في مخدته، فمن اعتقد أن هذه التميمة تنفع وتضر من دون الله العظيم فقد أشرك بالله سبحانه وتعالى، والذي يقول (شرك) هو محمد صلى الله عليه وسلم، ليس المتكلم وليس السامع، فإياك يا عبد الله إن كان عندك من هذا شيء أن تنهي قراءة هذا الكلام وأنت لم تعاهد الله على التوبة، لأنك إن كنت تعتقد أن هذه (الحروز) مما يدفع الضر ويجلب النفع فقد كفرت بالله العظيم.

ومثل هذه الحروز تلك التميمة الذي تُعلَّق في السيارات والتي يعتقد البعض أنها تدفع عنه العين وتجلب له النفع هذه أيضا تعد من التمائم، من علقها فقد أشرك.

وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"من تعلق شيئا وُكِل إليه"والمقصود بتعلَّق: أي أنه علَّقه وتعلق قلبُه به، ولذا تجد أن هذا الصنف يرى أنه إن أزال هذه (الحروز والتمائم) وقعت به الطوام، فإن اعتقد هذا الاعتقاد وظن أنها تجلب النفع وتدفع الضر فإنه أشرك بالله سبحانه.

ومنها أيضا تلك الخواتم التي تجعل من أجل الخطوبة، فإذا خطب رجل امرأة ألبسها خاتما وألبسته خاتما، إن اعتقد أن هذا سبب من الأسباب لدوام المحبة، أو اعتقد أنه إذا خلع هذا الخاتم تضعف المحبة بين الزوجين أو أنه يحصل الطلاق والشقاق، فقد أشرك بالله، لأنه جعل شيئا ليس له متعلق حسيٌّ ولا شرعيٌّ يضر وينفع من دون الله، وأما إذا لم يكن يعتقد أنها تضر وتنفع أو تجلب المحبة فإن هذا من عادات النصارى فلا يجوز لبسها.

فليحذر العبد أن يسلب دينه يا عباد الله، فإن التوحيد هو الغنيمة وهو المنزلة العظيمة، وهو الذي يرجو به العبد إن وقف بين يدي الله سبحانه وتعالى وحقق توحيده أن يشمله الله جل وعلا بعفوه رحمته، وأن يُدخله في عباده الصالحين، لأن كلاً من الناس مذنب، لكن مَن حقق التوحيد وجاء إلى الله سبحانه وتعالى بتحقيق العبودية له وحده كما أمر بها سبحانه، وكما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم فيطمع أن يدخل في رحمة الله.

هذا وليحذر المسلم من الشرك كله بجميع أنواعه وأصنافه، وعليه أن يتعلم التوحيد ويدرسه، لأنه يحتاج إلى علم وتطبيق، لعل العبد أن ينجو بين يدي الله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت