وعن ابن مسعود أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم - وهذا الحديث عظيم في تقديم بر الوالدين على الأمور العظيمة والأعمال الجليلة - قال: أي العمل أفضل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة على وقتها ) فقال: ثم أي ؟ قال: ( بر الوالدين ) قال: ثم أي ؟ قال: ( الجهاد في سبيل الله ) فقدّم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله ..
وإذا قلنا ما أعظم شيء نأمله ونرجوه ؟ وما أعظم أمنية نفكر بها ونتعلق بها ؟ فإن الجواب عند كل مؤمن ومسلم واحد وهو: دخول الجنة ونيل رضوان الله عز وجل ..
فإليكم طريقاً ممهداً سالكاً موصلاً إلى تلك الغايات العظيمة، وهو بر الوالدين .
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل الجنة قال: فسمعت قراءة فسألت من هذا ؟ فقيل: حارثة بن النعمان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( نِعم البر ، نِعم البر ) ، وكان حارثة من أبر الناس بأمه.
فهذا الربط بين إخبار النبي عن كونه في الجنة وبين بره بأمه ، ظاهر الدلالة في أن هذا العمل لظهوره في حياته وعنايته به وحرصه عليه واستمراره فيه جعل له هذا المقام العالي ، وتلك الرتبة الرفيعة .
وكذلكم جاء الحديث العظيم الذي رواه أبو هريرة وفيه يثلث النبي صلى الله عليه وسلم القول فيقول: ( رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه ) قالوا: من يا رسول الله ؟ قال: من أدرك أبويه أو حدهما فلم يدخل الجنة ) .
أي لم يقم ببرهما ما يدخله الجنة ؛ لأنه فرّط وقصّر أو عقّ وجحد والعياذ بالله ..
وإذا تأملنا ذلك فإننا واجدون الصراحة والوضوح في تلك النصوص ، ومن ذلك ما رواه الترمذي وصححه وابن حبان كذلك ، وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو الدرداء قال عليه الصلاة والسلام: ( الوالد أوسط أبواب الجنة ؛ فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه ) .
قال بعض الشرّاح:"أوسط أبواب الجنة ؛ أي خيرها والمقصود بالوالد، الوالدان معاً"، الأم والأب هما اللذان يكون من خلالهما باب هو خير الأبواب إلى الجنة ، باب برّهما والإحسان إليهما .
ولو مضينا لوجدنا ذلك أكثر وأظهر، فإن معاوية بن جاهمة السلمي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي وجه الله والدار الآخرة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك أحية أمك ؟! فقال: نعم ، قال: ارجع فبرها، قال معاوية: فأتيته من الجانب الأيمن فقلت له: يا رسول الله أني أردت الجهاد في سبيل الله - وكرر القول - فقال له: ويحك أحية أمك ؟! قال: ارجع فبرها، قال: فأتيته من أمامه فأعاد القول، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ويحك الزم رجلها فثمّ الجنة ) رواه النسائي وابن ماجه والإمام أحمد والحاكم بسند صحيح .
فهل ثمة ما هو أوضح وأظهر في الدلالة على عظمة هذا البر وهو يكرر الأمر ثلاثاً ، ويريد الجهاد مصرّاً ، والنبي يردّه إلى ذلك الباب والمسلك والطريق ؛ ليمهد له به عملاً له أجره في الآخرة ، وله نفعه في الدنيا بإذن الله سبحانه وتعالى .
وهكذا نرى الأمر واضحاً كما قلنا في رضا الله عز وجل ، فقد ورد الحديث صريحاً بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: ( رضا الله في رضا الوالد ، وسخط الله في سخط الوالد ) كما رواه أهل الحديث بسند حسن .
بل إن ثمة أمر آخر وهو أن بر الوالدين من أسباب مغفرة الذنوب، كم نصلي ، كم نستغفر، كم ننفق، نبغي مغفرة الذنب، وكل عمل صالح فيه مغفرة للذنب، غير أن ذلك ورد له اختصاص.
فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أصبت ذنباً كبيراً فهل لي من توبة ؟ فقال له عليه الصلاة والسلام: هل لك من أم ؟ قال: لا ! قال: هل لك من خالة ؟ قال: نعم ، قال: فبرها . رواه الترمذي والحاكم بسند صحيح .
ولعلّ هذا التوجيه موضع عجب ، وأحسب أن كثيرا منا ربما لم يسمع هذا الحديث من قبل، يقول: أصبت ذنباً كبيراً ، يريد طريقة لتكفير الذنب ، فيسأل عن أمه ، فيقول: إنها ليست حية، فيقول: هل لك خالة ؟ والخالة بمثابة الأم ، يقول: فبرها، أي فسيكون برّها طريقاً إلى تكفير ذنبك ومغفرة ما أصابك من أثره، وهذا ولا شك من أعظم الأمور .
وكلنا يعلم كذلك أمراً آخرا وهو أثر البر في تفريج الكربات ..
وأكثرنا يعرف الحديث لقصة الثلاثة الذين آواهم الغار فسقطت عليهم صخرة فسدت مخرجهم، فقالوا: لا نجاة إلا أن نتوسل إلى الله بأخلص الأعمال التي عملناها، فكان مما قاله أحد الثلاثة: أنه كان لا يسقي أبناءه وزوجه إلا بعد أن يسقي والديه، فجاء مرة بغبوق - أي باللبن- فإذا هما نائمان، فلم يشأ أن يقدم عليهما غيرهما ولم يستطع أن يزعجهما فيوقظهما، فظل واقفا حتى انبثق ضوء الفجر، قال: ( إن كنت عملت هذا لوجهك وابتغاء مرضاتك ففرّج عنا فتزحزحت الصخرة )
فدل ذلك على أن من أسباب التفريج ؛ الحرص على هذا البر .