فهرس الكتاب

الصفحة 3946 من 9994

بل إن سعة الرزق وحسن الخاتمة وبركة العمر مربوط بذلك ، كما صح من حديث أن أنس: ( من أحب أن ينسأ له في أثره ، ويبارك له في رزقه فليصل رحمه ) وأعظم الرحم وأولاها وأولها بر الوالدين .

ومن هنا كذلك جاءت رواية أخرى في هذا الحديث بلفظ آخر من حديث علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من سره أن يمد له في عمره، ويوسع له في رزقه، وتدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه ) .

وثمة أمر مهم في غاية الأهمية، وهو أن دعاء الوالدين له خصوصية في القبول في شأن أولادهما ، وإن كان الدعاء على الأبناء، أي ليس لهما.

وقد صح في الحديث قصة جريج العابد وأن أمه دعت عليه فقالت:"اللهم لا تمته حتى يرى وجوه المومسات"فتحققت هذه الدعوة وذكرها وقد وردت في الأحاديث الصحيحة .

وثمة حديث أيضا يوضح ذلك، وهو قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم ) رواه أحمد في مسنده وقال الذهبي سنده قوي .

ومن أدل الدلائل كذلك على الأهمية أنه ما من أمر ولا من شرع ولا من حكم إلا وينتهي بانتهاء الحياة إلا هذه الشعيرة العظيمة ، وهذه الوصية المهمة ؛ فإن بر الوالدين لا ينتهي بوفاتهما، وكلنا فيما أظن يعلم ذلك الحديث الذي رواه أبو أسيد الساعدي في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فيقول: هل بقي من بر أبواي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ - وهذا دليل على حرص الصحابة، قد قضى حظه وقدرته وما يسر الله له من البر في حياة والديه ، ثم جاء يسأل من بعد هل بقي شيء حتى أواصل ؟ هل ثمة ما يعمل حتى أستمر - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما ) .

فهل هناك دين أعظم من هذا الدين في الوصية بالوالدين حتى بعد الوفاة، ابحث عن أصدقاءهما وأكرم أصدقاءهما لأجلهما، وابحث عن أقاربهما ومعارفهما، فاجعل ذلك استمرارا لبرهما حتى بعد موتهما، وهذا من عظيم ما في ديننا هذا.

وقد طبق الصحابة ذلك، فهذا ابن عمر يلقى أعرابياً وهو في طريق السفر قرب مكة فيركبه حماره وينزع عمامته ويضعها على رأسه ويسلم عليه ويكرمه، حتى إذا انصرف قال أصحابه: إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير ! يعني لما صنعت ذلك كله لما هذه الحفاوة وذلك الإكرام ؟ فقال ابن عمر رضي الله عنه: إن والد هذا كان من أهل ود عمر، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن من أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه) رواه مسلم في صحيحه .

ولعلنا نقف في هذه القصة لأبي هريرة لنرى صورة حية من المشاعر الفطرية التي تبين لنا عظمة وسماحة ديننا ، وأنه يريد الخير لعموم الناس فكيف بخصوصهم .. ألسنا نريد للكافر أن يؤمن ؟ ألسنا نريد للضال أن يهتدي ؟ ألسنا نريد للمنحرف أن يستقيم ؟ إن لم نكن نريد ذلك فنحن على خطأ وفي انحراف ؛ فإن أردناه فلتكن إرادتنا له لأقرب المقربين إلينا وأحب الناس إلينا وأعظمهم ؛ فضلاً علينا وهم الوالدان ..

هذا أبو هريرة يخبر يقول: كانت أمي مشركة، فكنت أدعوها إلى الإسلام فلا تستجيب، قال: فدعوتها يوما فنالت من رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي تكلمت عليه بما لا يليق - قال: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، فقلت: يا رسول الله إن أم أبي هريرة قد نالت منك وإني أدعوها - ماذا قال أبو هريرة، ماذا طلب من الرسول بعد أن سمع ما أغاضه في حبيبه علبه الصلاة والسلام - قال: يا رسول الله فادعو الله أن يهدي أم أبي هريرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اهد أم أبي هريرة ) يقول: فرجعت مسرعاً مستبشراً بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا بالباب مجاف - يعني مفتوحاً قليلاً - فأردت أن أدخل فقالت: مكانك يا أبا هريرة، قال: وسمعت خضخضة الماء فاغتسلت ولبست درعها، ثم خرجت وقالت: يا أبا هريرة إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي من الفرح وقلت يا رسول الله - وكانوا يحبون الخير - ادع الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم حبب أبا هريرة وأم أبي هريرة للمؤمنين ) ، قال أبا هريرة: فما رأيت أحداً من أهل الإيمان إلا وهو يحبني .

صورة لعظمة هذا الدين وعظمة التربية الإيمانية، انظرواً كيف كان حرص أبا هريرة كان يكرر الدعوة .. انظروا كيف كظم غيظه عندما نالت أمه من سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه كان يرجو لها الخير ويؤمل لها الهداية، حزن وغضب وبكى لكنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها بالهداية ، فلما هداها الله لم يطق من فرحته إلا أن بكى فرحاً بعد أن بكى حزيناً، ثم جاءت هذه الصورة المشرقة لندرك في الحقيقة كيف كان فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت