فهرس الكتاب

الصفحة 3947 من 9994

{ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً }

عجبا لهذا السلوك ! وعجباً لهذا الدين العظيم الذي يعلمنا ذلك !

ولعلي هنا أقف وقفة أحسب أن الجميع سيكون ملتفتا إليهاً .. بعد هذه الوجوه كلها .. وبعد هذه الآيات الواضحات والأحاديث الصحيحة، والصور المشرقة العملية التي كانت في حياة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هل يتصور أحد أن يخطر بالبال عقوق للوالدين ؟ هل يمكن بعد هذا كله أن يكون في النفس متسع ، أو في القلب مجال لقسوة أو غلظة ؟ هل يمكن بعد هذا كله أن يلفظ اللسان بما لا يليق ؟

إن العقوق بعد هذا كله يظهر تماماً على أنه ألأم وأشد وأسوأ ما يمكن أن يصدر عن إنسان، إنه يكشف حينئذ عن انحراف في الفطرة، وضعف واختلال في الإيمان ونقص في حقيقة التمثل والالتزام بالإسلام، إنه يدلّ على انفصام بين كليات هذا الدين وحقائقه الكبرى وهدايته العظمى التي تنزلت بها الآيات ، وجاءت بها الأحاديث .. ولذلك قال بعض أهل التفسير في هذا الموطن ؛ أي في قوله { وبالوالدين إحساناً }

قالوا: جاء بالأمر وليس بالنهي عن العقوق، قال القرطبي:"لأنه لا يتصور العقوق في حق الوالدين"

كيف يمكن أن يتصور عقوق لامرأة حملتك في بطنها تسعة أشهر وأرضعتك عامين، وظلت تغذوك بحنانها وعطفها، فتسهر ليلها وتمرض في تمريضك، ويشغل بالها أمرك أكثر مما يعنيها أو يشقيها أو يتعبها شيء يتصل بها، إن الإنسان الذي يجحد بعد ذلك أو يعق يمثل الصورة الشوهاء للانحراف السيء في غاية السوء ..

ومن هنا جاء الأمر بالإحسان: { وبالوالدين إحساناً }

وكذلك نتلو الآيات الكثيرة { ووصينا الإنسان بوالديه }

وذكر ذلك على التفصيل كما هو في الآيات وكما جاء في الحديث: من أحق الناس بصحبتي يا رسول الله ؟ قال: أمك قال: ثم من ؟ قال: أمك قال: ثم من ؟ قال: أمك قال:ثم من ؟ قال: أبوك .

فقال أهل العلم:"لبر الأم ثلاثة أرباع وربع للأب، قالوا: لأنها حملت وولدت وأرضعت، وهذه كلها لا يشاركها فيها الأب".

وإن كان حق الوالدين جميعاً عظيما لذلك كان من المتوقع ومن البدهي أن من يخرج عن هذه الأوامر الربانية وهذه السنن النبوية أنه قد خالف الدين مخالفة عظيمة تستوجب له وعيداً خطيراً ..

ومن هنا وجدنا أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر مقترناً بأعظم ذنب في الوجود كله، الحديث معلوم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالوا: بلى يارسول الله، قال: الشرك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئا فجلس قال: وشهادة الزور وشهادة الزور، وما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت ) .

أكبر الكبائر أعظم الذنوب على الإطلاق ثانياً وتالياً بعد الشرك بالله عز وجل، عقوق الوالدين، وما الذي تخشاه وما الذي تخاف منه في هذه الدنيا ؟ أليس حرمان رضوان الله ؟ أليس الخوف من عذاب الله ؟ إن الذي يخوض في هذا المضمار يستوجب الوعيد الشديد .. فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام: ( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه ، ومدمن الخمر ، والمنان بعطائه، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والديوث والرجلة ) الديوث: الذي يرضى السوء في أهله، والرجلة: المرأة المتشبهة بالرجال، رواه الحاكم وصححه ورواه البزار بإسناد جيد .

بل إن الأمر يرى رأي العين ؛ فإنه ما من ذنب إلا وقد يؤجل عذابه أو يقدم، إلا ذنبين اثنين لا بد أن يكون لهما عقوبة معجلة وإن بقيت لهما عقوبة مؤجلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس عنه قال: ( بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا البغي والعقوق ) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي

وفي رواية أبي بكرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ) . وترجم البخاري في الأدب المفرد لهذا الحديث بقوله باب عقوبة عقوق الوالدين .

وعقوق الوالدين أعظم القطيعة للرحم .. فأي شيء بعد هذا يمكن أن يقال ؟ وأي قول بعد قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ وما هو واقعنا اليوم ؟ كم نسمع من قصص مبكية محزنة مؤلمة ! كم نرى من صور عجيبة غريبة شاذة !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت