فهرس الكتاب

الصفحة 3948 من 9994

روي عن الأصمعي في كتب الأدب أنه قال:"عزمت أن أبحث عن أعق الناس وأبرهم .. فظل يبحث وهو يسير في حياته وهو يبحث عن هذا الأمر ، قال: حتى رأيت مرة شاباً ومعه شيخ كبير مربوط بحبل ينزع دلو ماء وهذا يشتد عليه ويغلظ له ويعرض له بالضرب أحياناً ، قال: فقلت له: ويحك ألا تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف ! فقال: ثم هو مع ذلك أبي . قال الأصمعي: فرأيت أنه أعق الناس، قال: ثم نظرت - أي في مجريات حياته مرة أخرى -: فرأيت شاباً ويحمل شيخاً في زمبيل كبير ثم يزق له كما يزق الطير لفرخه - يعني كل لحظة يأتي فيطعمه يأتي فيسقيه يأتي فيحمله - قال: فهذا أبي قال فقلت: فهذا أبر الناس ."

لاحظوا الصور المتباينة .. لاحظوا الواقع الذي بلغ اليوم أن سمعنا في مجتمعاتنا ليس عن أبناء رموا بآبائهم أو بأمهاتهم في دور العجزة أو في المستشفيات وتركوهم، بل رأينا ما ولغ به الأمر إلى حد القتل وغيره، ما الذي جرى ؟ هل هذه الوصايا تتلى ؟ ألم نختم القرآن في رمضان ؟ ألا تُقرأ هذه الآيات في الصلوات ؟ ألا يعرف الناس هذه الأحاديث ؟ ألم يروا كيف كانت سيرة الأصحاب ؟ ألا يجدون في كل شيء من ديننا ما يدل على عظمة هذا الأمر ورفعة هذه الصفة ، وأهمية هذه الخلة في حياة المسلم ، وأن ضدها من العقوق هو أشنع شيء وأبشعه إن الصورة تحتاج إلى مراجعة ..

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يبرون آباءهم ويبرهم أبناءهم، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لكل ما يرضي آباءنا وأمهاتنا، وأن يسخرنا لرضاهما، وأن يجعل طريقنا إلى رضاء الله من رضاهما، ونسأله سبحانه وتعالى أن يحسن ختام من بقي له من آباءه وأمهاته، ونسأله عز وجل أن يبعدنا ويجنبنا عن كل ما يسخطهما أو يسيء إليهما .. إنه ولي ذلك والقادر عليه .

أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

أما بعد معاشر الأخوة المؤمنين:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ، وإن من أعظم أبواب تقوى الله بر الوالدين وأحسب أنه مهما أطلنا الحديث وأعدناه ؛ فإن الأمر يستحق ، وإن المسألة تستدعي ، وإن الواقع يدلنا على وجود خلل كبير في هذا الباب .. ما الطريق إلى تقويمه ؟ ما الطريق إلى رجوعه إلى جادة الصواب ؟

أمور كثيرة يضيق المقام عن حصرها، لكن أولها وأعظمها: التدبر في كتاب الله والاغتراف من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لأن الحديث ليس حديث هذا الرجل أو ذاك ، وليست موعظة ذلك الواعظ أو هذا ، وليس استنباط ذلك العالم أو غيره .. إنه كلام الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن كنت مؤمناً ومسلماً فالمخاطب لك هو الله ، والموجّه لك هو رسوله عليه الصلاة والسلام .

والأمر الثاني الذي يعين على ذلك: استحضار فضل الوالدين

كما دلت على ذلك الآيات { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً } .

تذكّر نفسك وحالك وأنت طفل لا تملك من ديناك ولا من أمرك ولا من حالك ولا من تدبير شئونك شيئاً .. تذكّر كل تلك الفضائل التي لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن تقدر قدرها ؛ فضلاً عن أن توفي حقها، لو أن كل عاق أو كل مخطئ في حق والديه إذا أراد أن يلفظ الكلمة أو إذا أعرض أو إذا صنع شيئاً من ذلك تذكر الحليب التي أرضعته إياه أمه، المال الذي أنفقه عليه أبوه ، الحماية التي كان يتعرض فيها للمصاعب والمخاطر لكي يحميه .. لو تذكر قبضة أو انقباضة من انقباضات وقت الولادة ومخاضها، لشعر أنه قد أجحف في حق نفسه ، وأنه ينبغي له أن يطأطئ رأسه خجلاً من تصرفه، وأنه قد أتى بما لا يليق بحال من الأحوال حتى إن البهائم وهي بهائم تعطف الأمهات على أبناءها ، ونرى الأبناء وكيف هم يرتبطون بأمهاتهم وهذه سنة فطرية في الخلائق، فكيف بالإنسان الذي أعطاه الله العقل وأنزل عليه التشريع ، وضرب له الأمثلة من رسل الله وأنبياءه ، وصالح الأمة وعلماءها وأفاضلها ..

وأمر ثالث كذلك وهو: استحضار الثواب والفضل والأجر في البر

رأينا أن طريق الجنة عبرهما ورأينا أن استنزال رضاء الله برضاهما ، ورأينا أن تكفير الذنوب بالإحسان إليهما ، ورأينا أن تفريج الكروب بإكرامهما .. أي شيء نريد كل ما نريده نجد طريقه يمر عبرهما ، فلما نفكر في ذلك ونتأمله .

وانظر إلى الجانب الآخر المقابل وهو التذكر للوعد والوعيد والعقوبة المنتظرة في الدنيا قبل الآخرة لكل من أساء ولو بكلمة ؛ لأن الله قال: { ولا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما } .

جاء بالأدنى وجاء بما قد يكون الأعلى إذاً فذلك كله يعين .. ومما يعين كذلك، ذكر سير أهل البر بآبائهم وأمهاتهم، قصة أبي هريرة نموذج من نماذج عدة ليست في حياة الصحابة فقط بل في حياة الصحابة والتابعين وصلحاء المؤمنين إلى يوم الناس هذا .. انظر كيف يكون التوفيق حليفهم .. انظر كيف تكون السعادة مالئة قلوبهم ، انظر كيف يكون الأثر في أبناءهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بروا آباءكم تبركم أبناءكم ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت