فهرس الكتاب

الصفحة 3943 من 9994

ولنعلم أن هذه الوصية في أول ما بدأت به من التحذير من الشرك بالله عز وجل إنما هي مفتاح لما يريد الله عز وجل من الخير لأهل الإيمان والتوحيد ؛ لأن الإيمان والتوحيد هو أساس الأمر ومبدأه ومنتهاه { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } .

وفي الصحيحين من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ) .

وكذلكم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي أن الله جل وعلا قال: ( ابن آدم إنك ما لقيتني وأنت لا تشرك بي شيئاً وإن لقيتني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة ولا أبالي ) .

وإذا أردنا أن ننتبه إلى الصور الكثيرة التي يعج بها واقع أمة الإسلام اليوم لوجدنا مخاطر كثيرة ينبغي الحذر منها وأكتفي بالإشارة إلى اثنين منها:

الأول: هو تقديم العقل على النقل

وكم نرى اليوم من ينظر إلى الأحكام والتشريعات فيقول هذه لا تتفق مع العقل .. فكيف يمكن أن نطبق هذا ؟ وكيف نستطيع أن نفعل هذا إن هذه الأحكام لا تتطابق مع مقتضى العقل وحقيقة المصلحة ؟ وكم سمعنا ذلك حتى في أحكام قد يرونها يسيرة .. فكم تسمع من امرأة أو رجل يجادلك في تشريع الله عز وجل في حجاب المرأة المسلمة ، ويناظر في ذلك بأمور يزعم أنها من العقل وحقيقتها أنها من الهوى ، ويزعم أنها عليها دلائل من الحقائق وهي ضلالات من الأوهام .. وكم نرى صوراً من ذلك في واقع الحياة .

وثانيهما: وهو مما عد اليوم من المحظورات التي ينبغي أن نكف ألسنتنا عنها ، وأن نمنع أقلامنا من الكتابة فيها ، وأن نعطلها من التدريس والتعليم .. أتعلمون ما هو هذا الأمر ؟

أمر تنزلت به الآيات من عند الله عز وجل لا يمكن لأحد من الخلق مهما كان أن يمحوها ويلغيها ! بل لا يستطيع أن يغيّر حرفاً واحداً منها مهما كان شأنه ، ومهما قال وأجلب .. إنها الحقيقة التي أريد أن أكشفها لكم بالآيات وبما جاء في كتاب الله عز وجل { ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } .

ويقول الحق جل وعلا: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله }

ويقول كذلك: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم } .

إنه أمر الولاء والبراء .. المحبة لله والبغض في لله .. إنه أمر يصورونه على أنه مناقضة للعدالة أو مخالفة للسماحة ! وليس شيء من ذلك فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعدل الخلق وأسمح الناس وأرأفهم بالخلق جميعاً ، ودعا وبصّر وأهدى غير المؤمنين لكنه علم وعلَّم أن بغض الكفر في ذاته وبغض الفحش والفاحشة في ذاتها أصل مرتكز من عقيدة المؤمن ، وبيّن أن أهل الكفر إن عادوا وإن ناصبوا العداء وإن كادوا واستخدموا أساليبهم في المكر والدهاء ؛ فإنه لا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله ورسوله إلا أن يكن بغضهم ، وأن يعتقد عداءهم وأن يسعى إلى مواجهته وذلك ما فعله رسول صلى الله عليه وسلم ، ويوم جاءت المواقف الفاصلة بين إيمان وكفر، مضى بعض الأنصار إلى حلفاءهم من اليهود في المدينة ينشدونهم النصر ويطالبونهم وفاء بعهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكلوا وتخاذلوا وأحجموا فأي شيء قال ذلك الصحابي:

"اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء وحلفهم وأكون مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم".

وفي هذه الحادثة تنزل قوله جل وعلا: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } .

وكثيرة هي الصور التي قد نراها مخالفة لحقيقة التوحيد في صور غير سجود لصنم ، وغير بقاء عند قبر .. وإن كان ذلك كله من الأوهام ومن المعارضات ومن المناقضات التي تجرح التوحيد ، وقد تنقض أصله وتدخل صاحبها في دائرة الشرك أو الكفر أصغر أو أكبر كل بحسبه وبحسب حكمه .

إذاً أحبتنا الكرام:

أول ما حرّم الله علينا هو أن نشرك به شيئاً ..

إن التحريم لهذا تحريم قاطع هو أساس كل ما يأتي من المحرمات والمأمورات .. فنسأل الله عز وجل بأن يبرئ قلوبنا من الشرك به ، وأن يطهر نفوسنا من الشرك به ، وأن يطهر عقولنا من الشرك به ، وأن يجعلنا أعظم اعتماداً عليه ، وأصدق توكّل عليه ، وأشدّ إخلاصاً له ، وأعظم خوفاً منه ، وأصدق ثقة به ، وأن لا يجعل في قلوبنا من خوف ولا رهبة ولا رجاء ولا تعلق إلا به سبحانه وتعالى ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت