فهرس الكتاب

الصفحة 7289 من 9994

أما النعمة الثانية: والتي يمنها سبحانه وتعالى على صاحب الهم الأخروي هي من أجل النعم ألا وهي نعمة ( غنى القلب ) إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس ) قال الإمام المناوي صاحب فيض القدير عند شرح هذا الحديث ( يعني ليس الغنى المحمود ما حصل عن كثرة العرض والمتاع، لأن كثيراً ممن وسع الله عليه لا ينتفع بما أوتي. بل هو ماضي متجرد في الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه. فكأنه فقير لشدة حرصه فحريص فقير دائماً،( ولكن الغنى ) المحمود المعتبر عن أهل الكمال ( غنى القلب ) وفي رواية النفس وهو استغناؤها بما قُسم لها، وقناعتها ورضاها به بغير إلحاح في طلب ولا إلحاف في سؤال، ومن كفت نفسه عن المطامع قرت وعظمت، وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من كان فقير النفس فإنه يورطه في رذائل الأمور و خسيس الأفعال، لدناءة همته، فيصغر في العيون ويحتقر في النفوس، ويصير أذل من كل ذليل ) أ.هـ أما الغني بالمال، الفقير القلب. فإنه يلهث كما يلهث الوحش بجمع المال وهو يملك الملايين ولكن لأنه غير قانع بما رزقه الله فإنه فقير، فقد اتخذ المال إله من دون الله، فالفقير هو الذي يشعر بانعدام المال عنده، والحاجة الدائمة إليه، اللهم اجعل غنانا في قلوبنا وآخر نعمه يمنها الله على صاحب الهم الأخروي: هي مجيء الدنيا فصاحب هم الآخرة، يهرب من الدنيا وزينتها يخشى فتنتها وزخرفها وهذا لا يعني أن ينقطع عنها ويهرب تهرب الغلاة والضالين. كلا، بل يأخذ منها قدر ما يبلغه إلى الآخرة ومع إعراضه عنها، متبعاً هدي نبيه صلى الله عليه وسلم يقول ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) وقوله ( إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم تركها وارتحل ) إلا أنها تأتي إليه ذليلة صاغرة دون جهد وعناء وهو ليس بحاجة إليها لأنه جعل همه الآخرة فكفاه الله هم الدنيا وأتت إليه راغمة وأما الذي كانت الدنيا همه، فلا يفكر إلا فيها ولا يعمل إلا لها ولا يهتم إلا من أجلها، ولا يفرح إلا لها ولا يوالي أو يعادي إلا فيها، فهذا يعاقبه الله بثلاث عقوبات أولها:

تشتت الشمل والأمر: فيفرق الله عليه شمله وأمره فما من شيء كان يحط به إلا مزقه الله عليه. فتراه متشتت البال، والفكر، و مضطرب النفس، كثير القلق على كل أمر مهما كان تافهاً، يفرق عليه ماله فلا يوفق في تجارة أو عمل ويفرق عليه أبناءه وزوجه فيرى عقوقاً دائماً يزيد همه وغمه، ويجد من زوجه تأففاً وتمرداً وشكوى لا تنقطع تجعله يتمنى الخلاص من الدنيا من شدة ما يجد. ويفرق الله الناس عنه فلا يحبه أحد، بعد أن كتب الله له البغضاء في الأرض نسأل الله العافية والسلامة.

العقوبة الثانية التي تصيب صاحب الهم الدنيوي: الفقر اللازم وإن كان غنياً، فيجعله لا يشعر بالقناعة أبداً مهما ملك من المال، يشعر دائماً بالفقر والحاجة، يجعله يجري ويلهث وراء المال كلما ازداد شعوره بالفقر وهذا مما يزيد في تعبه وهمه وقلقه. اللهم لا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا.

أما العقوبة الثالثة و الأخيرة: فإنها هروب الدنيا فتجده دوما يطلبها وهي دوماً هاربة منه ويطلبها وهي تبتعد عنه يجري وراءها كما يجري من يحسب السراب ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً فهو يسعى للمنصب والجاه والشهرة والثناء وغيرها فهو يهلك نفسه من أجل ذلك ولا يأتيه من الدنيا غير ما كتب له ولكن ذلك عقوبة من الله له وهذا ما جعل عثمان بن عفان ذو النورين رضي الله عنه يقول فيما روي عنه ( هم الدنيا ظلمة في القلب، وهم الآخرة نور في القلب ) . اللهم لا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا.

الخطبة الثانية:

الحمد لله اللطيف المنان الرحيم الرحمن الحمد لله الذي جعل هم المؤمنين في الآخرة منحة منه وفضلاً وجعل هم العابثين اللاهيين في الدنيا حكمة منه وعدلاً سبحانه وهو الرءوف الرحيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل في الحديث الحسن الذي ورد عنه ( من جعل الهموم هما واحداً هم المعاد، كفاه الله هم الدنيا، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديتها هلك ) صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت