أخي الحبيب: لا مانع من أن تملك الدنيا بيديك، ولكن إياك أن تدخل الدنيا قلبك؛ لأنها إن كانت بيدك فأنت الذي تملكها وتسخرها كما تريد، وأما إن دخلت قلبك فقد ملكتك، وأصبحت عبدًا لها، تسيرك هي كما تشاء، وشتان بين الحالتين. ولقد كان بعض الصحابة من كبار الأغنياء، فلم نسمع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول لأحدهم: لا يصح إيمانك، ولا يستقيم أمرك، ولا تكون مؤمنًا حقًا؛ إلا إذا تخليت عن أموالك؛ لأنه يعلم أنها كانت في أيديهم لا في قلوبهم. فهذا أبو بكر-رضي الله عنه- يأتي بكل ما يملك من مال، فيضعه بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فيقول له: (يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك) ؟ فقال أبو بكر: أبقيت لهم الله ورسوله7. وهو الذي اشترى بلالًا وغيره من المؤمنين، وأعتقهم في سبيل الله. وهذا عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- يأتي بنصف ماله فيضعه في سبيل الله في غزوة تبوك. وأما عثمان بن عفان-رضي الله عنه- فقد جهز جيش العسرة بثلاث مائة بعير بكل مستلزماتها، وبألف دينار ذهبًا. واشترى بئر رومة في المدينة المنورة من يهودي كان يستغل الناس، فجعلها عثمان في سبيل الله- تعالى-. وأما عبد الرحمن بن عوف-رضي الله عنه- فقد تصدق بمال كثير لا يُحصى، حتى إنه تصدق مرة بقافلة كاملة من الشام تحمل الطعام، وجعلها كلها في سبيل الله -تعالى-. فهل هؤلاء ممن دخلت الدنيا في قلوبهم؟ لا وألف لا.
وقد يسأل سائل: أيهما أشد فتنة الغنى أم فتنة الفقر؟ وأيهما أعظم أجرًا الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟ والجواب الصحيح- والله أعلم- أنَّ الغنى درجات، وأنَّ الفقر كذلك درجات، فبعض درجات الغنى أشد فتنة، كما أن بعض درجات الفقر أشد فتنة. والناس أيضًا أقسام، منهم من يكون المال أشد خطرًا عليه، ومنهم من يكون الفقر أشد خطرًا عليه. فالأمر يختلف من شخص إلى آخر، فقد يكون الفقر لبعض الناس أنفع، والغنى لآخرين أنفع؛ كما تكون الصحة لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع؛ كما في الحديث الذي رواه البغوي وغيره عن النبي-صلى الله عليه وسلم- فيما يروى عن ربه -تبارك وتعالى-: (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، إنِّي أدبر عبادي إني بهم خبير بصير) 8. والأجر كذلك، فهو تابع لشدة الفتنة والامتحان والمشقة، فمن بذل جهدًا أعظم للاستقامة والنجاح في امتحانه كان أعظم أجرًا، سواء كان فقيرًا أم غنيًا. فالعبرة بالجهد المبذول للالتزام لا بنوع الامتحان. وهكذا؛ فقد يكون أحد الأغنياء الشاكرين أعظم أجرًا من فقير صابر، وقد يكون أحد الفقراء الصابرين أعظم أجرًا من غني شاكر9. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم إنا نعوذ بك من غنى يطغينا، أو فقرًا ينسينا. سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.
1 -رواه البخاري.
2 -رواه البخاري.
3 -رواه مسلم.
4 -رواه ابن ماجه، وانظر صحيح ابن ماجه للألباني رقم (3310)
5 -سبق تخريجه.
6 -رواه البخاري.
7 -رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
8 -أخرجه البغوي، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو بمعناه في حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني.
9 -راجع:"الهدي النبوي في الرقائق"؛ صـ (88- 94) . بحذف وزيادة. للدكتور شرف القضاة. دار الفرقان. الطبعة الثانية ( 1410هـ) . وللاستزادة في مسألة الغني الشاكر أم الفقير الصابر راجع:"مجموع الفتاوى (11/120) وما بعدها. وعدة الصابرين لابن القيم، فقد خصص جزءًا كبيرًا ناقش فيه هذه المسألة باستفاضة، وبين كثر ة النزاع فيها بين الأغنياء والفقراء"