وعشر آيات من أولها أو آخرها تعصم من فتنة المسيح الدجال ففي صحيح مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال ) ).
وفي رواية أخرى عند مسلم: (( من قرأ الأواخر من سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال ) ).
قال أهل العلم: [ النووي رحمه الله ]
سبب العصمة ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يَفْتتن بالدجال ، وكذا في آخرها قوله تعالى: (( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً ) ) ( الكهف: 102) .
أيها الإخوة: في سورة الكهف دعوةٌ إلى توحيد الله عز وجل ، وبيانُ صدقِ رسول الله r في دعوته ، ووجوب الإيمان برسالته وأنه بَشَرٌ يُبَشّرُ ويُنْذِرُ .
وفي السورة كذلك دعوةٌ إلى الإيمان باليوم الآخر ، وعرض لمواقف الحساب ، وفيها أضواءٌ كاشفةٌ على كل أسباب الفتن .
ففي قصة أصحاب الكهف ذُكِرَتْ فتنةُ الولاية والسلطة ، وفي قصة صاحب الجنتين عرضٌ لفتنة المال والرجال ، وفي قصة موسى والخضر عرضٌ لفتنة العلم ، وفي قضية ذي القرنين عرض لفتنة الأسباب المادية .
فسورة الكهف ، كالكهف الحصين من جميع الفتن فمن تدبرها وعمل بها حفظه الله وستره فلا تضره فتنة ولو كانت كقطع الليل المظلم .
وسورة الكهف هي: إحدى خمسِ سُور كُلُّها تبدأ بحمد الله والثناء عليه وتمجيده عز وجل .
فله الحمد على نعمه الظاهرة والباطنة ، وأجل نعمة على الإطلاق إنزاله القرآن العظيم على نبيه الكريم .
ثم وصف هذا الكتاب بوصفين يدلان على كماله من جميع الوجوه وهما نفي العوج عنه وإثبات أنه مقيم مستقيم .
والغرض إنذار الكفار والمخالفين عقاب الله الأليم وتبشيرُ المؤمنين بالأجر العظيم .
قال تعالى: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا* قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ) ) (الكهف:1-3) . وتمضي الآيات مسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان حريصاً على هداية الخلق يُسرُّ بإيمان المؤمنين ، ويأسف على المكذبين فأمره الله بأن لا تذهب نفسه عليهم حسرات فقال: (( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ) ) (الكهف:6) .
أي مهلكها غماً وأسفاً عليهم فلا تفعل فأجرك على الله ، وهؤلاء المنحرفين لو علم الله فيهم خيراً لهداهم .
وفي هذا دليل لكل داعٍ إلى الخير أن عليه التذكير وبذلُ السبب فإن اهتدوا فبها ونعمت وإلا فلا يحزن ولا يأسف فإن ذلك يضعف النفس ويهدم القوى بلا فائدة ترجى (( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) ) (الغاشية:21-22) .
ثم أخبر الله عز وجل بأنه جعل جميع ما على وجه الأرض من مآكل ومشارب وأشجار وأنهار وزروع وثمار زينة لهذه الدار فتنة واختباراً وأنَّ جميعَ ما على الأرض مضمحلٌ زائل ، وستعود الأرض صعيداً جُرُزاً (( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً* وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ) ) (الكهف:7-8) .
ثم تجئ قصةُ أصحاب الكهف وهو الغار الواسعُ في الجبل .
والرقيم: لوح ٌمن حجارة كُتبت فيه قصتهم وأسماؤهم .
وأصحاب الكهف: فتيةٌ مؤمنون خرجوا من بلادهم فراراً بدينهم ، وخوفاً على عقيدتهم ، فلجئوا إلى غارٍ واسع في الجبل بعدما قوّى الله عزائمهم فقاموا على رؤوس الملأ وقالوا: (( رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً ) ) (الكهف:14) .
وحينما دخلوا الغار ضرب الله على آذانهم أي أنامهم ثلاث مئةٍ وتسع سنين بدون طعام ولا شراب وهم بقدرة الله يقلبون من جنب إلى جنب ، فإذا طلعت الشمس مالت عن كهفهم ذات اليمن، وإذا غربت تتركهم فلا تصيبهم ذات الشمال (( ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ) ) (الكهف:17) .
ثم إن الله بعثهم من رقدتهم الطويلة وأطلع الناس على خبرهم ليستفيدوا من ذلك دروساً وعبراً ، وليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها .
وفي قصة أصحاب الكهف أعظم دليل على أن من فرَّ بدينه من الفتن سَلّمه الله منها ، وأن من حّرِصَ على العافية عافاه الله ، ومن أوى إلى الله آواه الله وجعله هداية لغيره ، ومن تحمل في سبيله وابتغاء مرضاته كان آخرَ أمره وعاقبته العزُ العظيمُ من حيث لا يحتسب ، وما عند الله خير للأبرار .
أيها المسلمون: وفي السورة يأمر الله نبيه محمداً r وغيره أسوته في الأوامر والنواهي أن يصبر نفسه مع المؤمنين المنيبين (( الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) ) (الكهف:28) .
وحذره من زهرة الدنيا والركون إلى المترفين الذين غفلوا عن ذكر الله (( وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) ) (الكهف:28) .
فقد ضيّعوا مصالح دينهم ودنياهم وأعرضوا عن دين الله واتبعوا أهوائهم وضيّعوا أمر الله فويلٌ لهم من عذاب أليم ونارٍ وجحيم تحيط بهم من كل جانب فلا يستطيعون الخروج منها (( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً ) ) (الكهف:29) إنها ساءت مستقراً ومقاما .
أمَّا أهل الإيمان الذين أجابوا داعي الله ، وآمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات والواجبات والمستحبات فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (( أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ) ) (الكهف:31) .
وهي السرر المجملة بالثياب الفاخرة (( نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ) ) (الكهف:31) .
وبعد هذا تأتي قصةُ صاحب الجنتين وكيف اغتر بماله وجاهه (( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً ) ) (الكهف:35) .
فزعم أن ما هو فيه من نعيم دنيوي لن يزول ولن يحول ، ثم ترقى به الأمر وبلغ به الكفر إلى إنكار البعث وقيام الساعة (( وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) ) (الكهف:36) .
ولم يستمع إلى نصح الناصحين وتذكير الصالحين فما هي إلا لحظات حتى (( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) ) (الكهف:42) .
فدُمِّرَ بستانه وذهب ما كان يعتزُّ به وأصيب بالحسرة والندامة على ما فرّط وأجرم ، فسبحان الله ما أضعف الإنسان وما أعظم جحوده وطغيانه (( كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى*أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ) ) (العلق:6-7) .
كيف يغْفلُ المرء عن الحياة وسرعةِ زوالها ، وتَغَيّرها وتبدل أحوالها ، فالمغرور حقاً من اغتر بها واطمأن إليها .