ثم تَعْرضُ السورة الكريمة لعداوة إبليس لآدم وذريته وأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم إكراماً وامتثالاً لأمر الله (( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا ) ) (الكهف:50) .
ولقد استحوذ الشيطان وذريته على كثير من الناس فلم ينتفعوا بتحذير الله لهم من كيد الشيطان بل وقعوا في مكائده وحبائله مع أنه يتبرأ منه يوم القيامه ويقول: (( إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ) ) (إبراهيم:22) .
أعاذنا الله جميعاً من الشيطان الرجيم ونفعنا بمواعظ القرآن العظيم وهدانا صراطه المستقيم إنه جوادٌ كريم .
أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم .
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أنزل على رسوله من أخبار السابقين ، وقصص الغابرين ما يثبت به قلوب المؤمنين ويكون عبرةً للمعتبرين . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . قال وهو أصدق القائلين: (( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ) ) (يوسف:3) .
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين وخاتم النبيين صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من سلك طريقهم إلى يوم الدين .
أما بعد:
ففي أواخر سورة الكهف يخبر الله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام وشدة رغبته في الخير وطلب العلم حيث قال لفتاه أي خادمه (( لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ) ) (الكهف:60) .
أي لا أزال مسافراً وإن طالت علي الشقة ولحقتني المشقة حتى أصل إلى مجمع البحرين وهو المكان الذي أُحي إلى موسى أنه سيجدُ فيه الخضرَ عليه السلام .
وسبب ذلك: ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسُئلَ: أيُّ الناس أعلم ؟ فقال: أنا فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلمَ إليه فقال له: بلى ، لي عبدٌ بمجمع البحرين هو أعلم منك . قال: أي رب ومن لي به ؟ قال: تأخذ حوتاً فتجعلُهُ في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثمَّ . فأخذ موسى عليه السلام حوتاً فجعله في مكتل ثم انطلق هو وفتاه يوشعُ بن نونٍ حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فرقد موسى واضطرب الحوتُ فخرج فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا ، فأمسك الله عن الحوت جريه الماء فصار مثل الطاق فلما استيقظا نسي صاحبُهُ أن يخبره بالحوت فانطلقا بقيةَ يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوزا المكان الذي أمر الله به ، فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيتُ الحوتَ وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً . قال: فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجباً فقال موسى: ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصاً ، قال: رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل قد استلقا على قفاه قد غطى وجهه بثوب وهو الخضر وإنما سمي الخضر لأنه جلس على أرض بيضا فإذا هي تهتزُّ تحته خضراءَ معشبة
فلما رآه موسى سلّم عليه فكشف الثوب عن وجهه وقال وعليكم السلام ، هل بأرضي من سلام مَنْ أنت ؟ قال: أنا موسى . فقال الخضر: موسى بني إسرائيل ؟ قال: نعم أتيتُك لتعلمني مما علمت رشدا قال: إنك لن تستطيع معي صبراً يا موسى إني على علم من الله علمنيه لا تعلَمه أنت ، وأنت على علم من علم الله علّمك الله لا أعلمه فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً فقال له الخضرُ: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتى أحدث لك منه ذكراً ، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمّرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير أجرة ، فلما ركبا في السفينة لم يَفَجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى: قومٌ حملونا بغير أجرة عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا .
قال رسول الله r: كانت الأولى من موسى نسياناً قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثلُ ما نقص هذا العصفور من هذا البحر )) .
إلى آخر الحديث وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يرحم الله موسى وددنا أنه كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما ) ) (فتح الباري 6/499) .
وفي هذه القصة من الحكم والفوائد ما يضيق المقام عن ذكره .
وبعد هذا يأتي نبأُ مفيدٌ وخطابٌ عجيب عما سُئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر ذي القرنين الذي بلغ المشرق والمغرب قال تعالى: (( وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ) ) (الكهف:83)
وذو القرنين مَلِكٌ [ قال ابن تيمية قصة أحسن قصص الملوك ] مؤمنٌ صالح عادل مكن الله له في الأرض فطاف المشارق والمغارب وأقام العدل والخير والإصلاح وبنى ذلك السدَّ المكين ليحمي الناسَ من شر يأجوج ومأجوج وهما أمتان من سلالة آدم عليه السلام يخرجون على الناس فيفسدون في الأرض وخروجوهم من علامات الساعة الكبرى ، قال تعلى: (( حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ.. ) ) (الانبياء:96) .
فبنى ذو القرنين سداً عظيماً ليمنع غارات يأجوج ومأجوج عل من حولهم (( ولا يزال السدُ بأمر الله موجوداً وهو كتلٌ هائلة من الحديد المخلوط بالنحاس موجود في جبال القوقاز في جمهمورية جورجيا السوفيتية [ انظر كتاب ذو القرنين محمد خير رمضان يوسف ط"الكلم 200 صفحة ] وهذه إحدى معجزات دين الإسلام ونبوة سيد الأنام فمن أداراه بهذا السد الذي لم يكتشف إلا بعد وفاته بقرون ."
وحينما انتهى ذو القرنين من بناء السد أضاف النعمة إلى موليها وقال: (( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ) ) (الكهف:98) .
أي من فضله وإحسانه عليَّ وفي هذا أعظم دليل على صلاحه وفلاحه وبُعدِهِ عن التكبر والعلو (( فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي ) ) (الكهف:98) .
أي لخروجَ يأجوج ومأجوج (( جَعَلَهُ ) ) (الكهف:98) .
أي ذلك السدَّ المحكم المتقن (( دَكَّاء ) ) (الكهف:98) أي دكه فانهدم واستوى مع الأرض (( وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ) ) (الكهف:98) .
وبعد أيها الإخوة فكل ما جاء في سورة الكهف من أخبارٍ عجيبة إنما وردت بقصدِ العظات والعبر والتذكير بعظمة الله وسعة علمه وعظيم سلطانه وقدرته ( لا إله غيره ولا رب سواه ) .
وثم تُختمُ السورة بالإخلاص والنهي عن الشرك كما بدأت بذكر الوحي والتوحيد فافتتحت بذكر الألوهية واختتمت بذكر الربوبية . (( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) ) (الكهف:110)