فهرس الكتاب

الصفحة 7873 من 9994

يا هارونُ، لقد فَرضنَا الذُلَّ على أحفادك، و أسقيناهم الذلَّ والانهزامية، لدرجةِ أنَنَا نقصِفُهم بالقنابلِ فنقتلَ رجالَهم ونساءَهم وأطفالَهم، وجيرانٌ لهم يتغنونَ ويرقُصُون، وعلى الرياضةِ يتفرجُون 0

يا هارونُ، نعلمُ أنَّكَ الآنَ وأنتَ في قَبرِكَ تتقلبُ هماً وغماً وحُزناً على عاصمةِ الخلافةِ الإسلامية، التي رجعَ أحفادُ كلبِ الرومِ للولوغِ فيها وتدنيسها،

يا هارونُ، لقد رَددنَا الدَينَ دَينَين لكَ ولأحفادِك، ففوقَ أنَنَا نُذلُهم ونحتلُّ أرضَهم، ليتكَ تراهُم وهُم يخرجُونَ إلى الشَوارِعِ مُرَحِبِين بنا، لقد جعلُونَا أمامَ الإعلامِ العالميِّ مُحرِرِين لا مُحتلين.

يا هارونُ، ( لا عزةَ إلاَّ بالإسلام ) مقُولةً لو طبَقها أحفادُكَ لما تجرأنَا نحنُ أحفادُ كلبِ الرومِ على أن نتعدى على شبرٍ واحدٍ من أراضيهم، ولكن يا هَارُونُ، قد تركتم خلفَكُم نِعاجاً في ثيابِ رجال، أمَّا الرجالُ بحقٍ فيُطَاردُون، ( التوقيعُ: بوش حفيدُ كلبَ الروم )

أيَّها المُسلمون: سقطت بغدادُ كما يقُولُون، وتَهاوت عُروشَ البعثِ، وما من ظالمٍ إلاَّ سَيُبلى بأظلم، وعادتِ العراقُ الأبيةُ للفوضى ضحية، ومع السقوطِ تجلت دروسٌ ومواقف 0

أظهرت الأحداثُ حاجةَ الأمةِ إلى القيادة، ولو كانت جائرةً فاجرةً كافرةً، فهاهُو العراقُ ومن قِبلِهِ أفغانستانُ والصُومال، عندما أُخليت من قياداتِها تزعزعَ الأمنُ وفسدت البلادُ، وفزِعَ العبادُ، وسادَ السلبُ والنهبُ، ولعَلَكَ تُدرِكُ أثرَ فقدِ القيادةِ في الأمةِ من خلالِ ما حدثَ بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- من الاختلافِ لولا لطفَ اللهِ ورحمته 0

وإنَّ ما حدثَ ليُجلِّي أثرَ النفاقِ وخُطورةَ المنافقين في الأمةِ، أولئكَ الذينَ يُفسِدُونَ في الأرضِ ولا يُصلِحُون، فما انتصرَ عدوٌ إلاَّ وأَمَامَهُ منافقٌ يفسحُ لهُ الطريقُ ويهيئُ لهُ السبيل 0

إنَّ سُقُوطَ العراقُ ليسَ لضعفٍ في جُيُوشِهِ، ولا لنقصٍ في عُدَتِهِ، ولكنَّهُ نتيجةً لتمالئِ النفاقِ مع المعتدين 0

إنَّ المنافقينَ في كلِّ أُمَّةٍ أصحابُ مصالحَ يسِيرُونَ في مواقِفِهم حسبَ رياحِ المصالح، (... فإنَّ أصابتكُم مُصيبَةٌ قالَ قد أنعَمَ اللهُ عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً، ولئن أصابَكُم فضلٌ من اللهِ ليقُولُنَّ كأن لم تكن بينكُم وبينهُ مودةٌ ياليتني كُنتُ معهم فأفوزَ فوزاً عظيماً) 0

إنَّهم المُنافِقُونَ الذين يتخِذُونَ الكافرينَ أولياءَ من دُونِ المُؤمنين 0

إنَّهُم المُنافِقُون، ومن سِمَاتِهم المسرةُ بانخفاضِ دينِ الرسولِ- صلى الله عليه وسلم- والكراهيةُ لانتصارِ أتباعهِ، ( إن تُصبكَ حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون) 0

وإذا كانَ العلمانيونَ والقومِيُّونَ وأربابَ الشَهَوَاتِ من جُملةِ المُنَافَقِينَ فلا ننسَ صنفاً آخر، عُرِفُوا على مدارِ التأريخِ بالكيدِ للسُّنةِ وأهلِها، ومعاونَةَ الأعداءِ عليهم، والحُزنُ لظُهُورِ السُنَةِ وعَلُوِهَا، إنَّهم الرافضةُ والذينَ يُصَورُهم شيخُ الإسلامِ بقولِهِ ( فالرافضةُ يُوالُونَ من حاربَ السُنةِ والجماعة، ويُوَالُونَ التتار، ويُوَالُونَ النصارى، وقد كانَ بالساحلِ بينَ الرافضةِ وبينَ الفرنجِ مُهادَنَةً حتى صارت الرافضةُ تَحملُ إلى قُبرصَ خيلَ المُسلمينَ وسلاحَهم، وغلمانَ السُلطَانِ وغيرَهُم من الجُندِ والصبيانِ، وإذا انتصرَ المُسلمُونَ على التتارِ أقَامُوا المآتِم والحُزن، وإذا انتصرَ التتارُ على المُسلمِينَ، أقامُوا الفرحَ والسُرور، وهُم الذينَ أشارُوا على التتارِ بقتلِ الخليفةِ وقتلِ أهلِ بغداد، ووزيرُ بغدادَ ابن العلقمي الرافضي، هُو الذي خامرَ على المُسلمينَ، وكاتبَ التتارَ حتى أدخَلَهُم أرضَ العراقِ بالمُكرِ والخديعة، ونهى الناسَ عن قِتالِهم، وقد عرفَ العارِفُونَ بالإسلامِ أنَّ الرافضةَ تميلُ مع أعداءِ الدين )

وفي زَمنِنَا هذا تُثبتُ الأحداثُ صدقَ ذلك، واسألُوا عمَّا فعلُوهُ في أفغانستان، وما يفعلُونَهُ اليومَ في العراق، حيثُ ذكرَ أحدُ المُراسِلينَ أنَّهُ لا يُصدِقُ ما يراهُ من جُموعِ الشيعةِ من فرحٍ ورقصٍ هستيري، وترحيبٍ بالقواتِ الأمريكيةِ، وصرَّحَ أنَّ الحالَ مختَلفٌ تماماً بالنسبةِ للأحياءِ السُنِيَّة، التي بدا الحُزنُ فيها عميقاً على الوجُوهِ 0

وأكدت الأخبارُ أنَّ الانهيارَ العجيبُ الذي حدثَ في بغداد بعد أسابيعَ من الصُمُودِ العجيب، الذي أذهلَ الأعداءَ والأصدقاءَ معاً، لم يكُن ذلكَ الانهيارُ من فراغ، وإنَّما لأسبابٍ من أبرَزِها غَدرُ الرافضةِ، حيثُ كانوا يضرِبُونَ الصُفوفَ الخلفيةِ للمُقَاتِلِين، مع الدورُ الاستخباراتي الخطير، في توجيهِ العدوِّ إلى الأماكنِ الحَيَوِيَّةِ المُؤثرةِ لاستهدافها بالقصفِ الشديد 0

أما العلمانِيُونَ والقومِيُونَ فيَكفي موقفُ الأحزابِ الكُردِيَةِ العلمانية، التي أصبحت ظهيراً للمُعتدِين، فهل يعي المُسلمونَ خُطُورَةَ النفاقِ وأثرَ المُنافقين، ويأخُذُونَ حذرَهُم، ( وكذلكَ نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) .

أيُّها المُسلمون: وأظهرت الأحداثُ ضعفَ اليقينِ عندَ بعضِ المُسلمين، فهاهُو اليأسُ يدُبُّ إلى قُلُوبِهم، والقُنُوطُ يُسيطِرُ على مَشاعِرِهم، وقائِلُهم يقولُ: إلى متى القنوتُ ولم نجد لهُ أثراً ؟ 0

وأمامَ هذهِ المشاعرُ اليائسةِ، والنفوسُ المحبطةِ نتساءلُ: هل ما حَدثَ هُو نصرٌ للأعداءِ وهزيمةٌ للمسلمين، وبمعنى آخر: هل جاءَ البَاطِلُ وأصبحَ الحقُّ زَهُوقاً ؟

كلاَّ وربِّي، إنَّ هذا شعورٌ من نظرتُهُ للنصرِ قاصرةً، ومَن رُؤيَتُهُ للسُننِ الإلهيةِ رُؤيةً عابرة.

لقد حكمَ ربُنَا ووعد، ووعدُهُ قاطعٌ جازم، ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) .

بينما يُشَاهِدُ الناسُ أنَّ الرسلَ منهم من يُقتل ، ومنهم من يُهَاجِرُ من أرضهِ وقَومِهِ مُكَذَبَاً مَطرُوداً، وأنَّ المُؤمنينَ فيهم من يُسامُ العذاب، وفيهم من يُلقَى في الأخدُود، ومنهم من يُستَشهد، وفيهم من يعيشُ في كربٍ وشدةٍ واضطهاد، فأينَ وعدَ اللهِ لهم بالنصرِ في الحياةِ الدُنيا، ويدخُلُ الشيطانُ إلى النفوسِ من هذا المدخل، ويفعلُ بها الأفاعيلُ، ولكنَّ الناسَ يَقِيسُونَ بظواهرِ الأمورِ، ويغفَلُونَ عن قِيمٍ كثيرةٍ وحقائقَ عظيمةٍ في التقدير 0

إنَّ الناسَ يَقصُرُونَ معنى النصرِ على صورٍ معينةٍ معهودةٍ لهم، قريبةَ الرؤيةِ لأعيُنِهِم، ولكن صورَ النصرِ شتَّى، وقد يتلبَسَ بعضها بصورِ الهزيمةِ عن النظرةِ القصيرة 0

إبراهيمُ- عليه السلام- وهو يُلقى في النارِ، فلا يَرجِعُ عن عقيدتهِ ولا عن الدعوةِ إليها، أكانَ في موقفِ نصرٍ أم في موقفِ هزيمة ؟ ما من شكٍّ في منطقِ العقيدةِ أنَّهُ كانَ في قِمةِ النصرِ وهُو يُلقى في النار، كما أنَّهُ انتصرَ مرةً أُخرى وهُو ينجُو منها، هذهِ صورةٌ من صورِ النصرِ وتلكَ صُورة ، وهُما في الظاهرِ بعيدٌ من بعيد، فأمَّا في الحقيقةِ فهُما قريبٌ من قريب 0

كم من شهيدٍ ما كانَ يملِكُ أن ينصرَ عقيدَتُهُ ودينهُ ودعوتَهُ، ولو عاشَ ألفَ عامٍ كما نصرَها باستشهاده، وما كانَ يملِكُ أن يُودِعَ القلوبَ من المعاني الكبيرةِ ويُحفزُ الألوفَ إلى الأعمالِ العظِيمَةِ بخطبةٍ مثلَ خطبتهِ الأخيرة، التي سطَّرَها بدمه، فتبقى حافزاً مُحرِكاً للأبناءِ والأحفاد، ورُبمَا كانت حافزاً مُحرِكَاً لخُطى التأريخِ كُلِه مدى أجيال 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت