فهرس الكتاب

الصفحة 7874 من 9994

ما النصرُ إذن ؟ وما الهزيمةُ ؟ إننا بحاجةٍ إلى أن نُراجعَ ما استقرَ في تقدِيرِنا من صورِ النصرِ، ومن القِيَمِ قبلَ أن نسأل: أينَ وعدُ اللهِ لرُسُلِهِ وللمؤمنينَ بالنصرِ في الحياة الدنيا 0

وهُناكَ اعتبارٌ آخرَ لابُدَّ من مُرَاعَاتِهِ، وهُوَ أنَّ وعدَ اللهِ قائمٌ لرُسُلِهِ وللذين آمنوا ، ولا بُدَّ أن تُوجدَ حقيقةُ الإيمانِ في القلوبِ التي ينطبقُ هذا الوعدُ عليها ، وحقيقةُ الإيمانِ كثيراً ما يتساهَلُ الناسُ فيها ويتجوزُون، وهي لا توجدُ إلاَّ حينَ يخلُو القلبُ من الشركِ في كل صُورِهِ وأشكاله، وإنَّ هُناكَ أشكالاً من الشركِ خفيةً لا يخلُو منها القلبُ إلاَّ حينَ يتجِهُ للهِ وحده، ويتوكلُ عليهِ وحده، ويطمئنُ إلى قضاءِ اللهِ فيهِ وقدره عليه، ويحسُّ أنَّ اللهَ وحدهُ هُو الذي يصرفُهُ ، فلا خيرةَ لهُ إلا ما اختارهُ الله ، ويتَلَقَى هذا بالطمأنينةِ والثقة، والرضى والقُبول، وحينَ يصِلُ إلى هذهِ الدرجةِ فلن يقدِّمَ بين يدي الله، ولن يقترحَ عليه صورةً من صُورِ النصر، أو صورَ الخير، بل يكلُ هذا كُلَهُ للخير ويلتزم، ويتلقى كل ما يُصيبهُ على أنَّهُ الخير، وذلكَ معنى من معاني النصر، إنَّهُ النصرُ على اللذاتِ والشهوات، وهُو النصرُ الداخلي الذي لا يتمُّ نصرٌ خارجي بِدُونِهِ بحالٍ من الأحوال 0

إنَّ اللهَ عز وجل وعدَ ولن يُخلفَ الميعاد، وأرشدَ فقال: ( فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ) فمهما يطُولُ الطريق، ومهما تتعقدُ الأُمورُ، ومهما تتقلبُ الأسبابُ، فوعدُ اللهِ حق، إنَّهُ وعدُ من يملكُ التحقيقَ، وفي الطريقِ خُذ زادَ الطريق، ( واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار ) هذا هُو الزادُ في طريقِ الصبرِ الشاقُّ الطويل، استغفارٌ للذَنبِ، وتسبحٌ بحمدِ الرب، والاستغفارُ المصحُوبُ بالتسبيحِ وشيكٌ أن يُجاب 0

إنَّ اللهَ عز وجل فعَّالٌ لما يُريد، يحكُمُ ما يشاءُ ويختار، يُرِيدُ مرةً أن ينتصرَ المُؤمِنُونَ في هذهِ الأرضِ لحكمةٍ يُريدُها ، ويُريدُ مرةً أن ينتصرَ الإيمانُ على الفتنةِ، وتذهبُ الأجسامُ الفانيةُ لحكمةٍ يُريدُها، يُريدُ مرةً أن يأخذَ الجبَّارِينَ في الأرض، ويُريدُ مرةً أن يُمهِلَهُم لليومِ الموعُودِ لحكمةٍ تتحققُ هُنا وتتحققُ هُناك، إنَّ ربكَ عليمٌ حكيم 0

أيُّها المُسلمون: إنَّ أعظمَ انتصارٍ يُحقِقُهُ الفردُ والدولُ والحركاتُ هُو الثباتُ على المبادئِ والتمسكُ بها، والموتُ في سبيلها 0

لقد كانَ في إمكانِ المؤمنينَ المُضطهدِينَ، والمؤمنينَ المشرَدِينَ، والمؤمنينَ الذين سُلبت منهم حُقُوقَهم في تحكيمِ شريعةِ اللهِ والعيشَ في أرضهم بسلام، والمؤمنينَ الذين يُطَارَدُون، لقد كانَ في إمكانِ هؤلاءِ أن ينجُوا بحياتِهم، وأن يحتفظُوا بدنيَاهُم في مقابلِ الهزيمةِ لإيمانِهم، ولكن كم كانوا يخسَرونَ هُم أنفسَهم في الدنيا قبلَ الآخرة، وكم كانت الأمةُ كُلَّها تخسر، كم كانوا يخسَرُونَ وهُم يُقتِلونَ، هذا المعنى الكبير، معنى زهادةَ الحياةِ بلا عقيدة، وبشاعِتِها بلا حُريَّة، وانحطَاطِها حينَ يسيطرَ الطغاةِ على الأرواحِ بعد سيطرتِهم على الأجساد 0

إنَّ الذينَ فَتِنُوا إخواننا وأحرَقُوهُم بقنابِلهم وصواريخهم، ثُمَّ لم يتُوبُوا فلهُم عذابُ جهنم ولهُم عذابُ الحريق، فحريقٌ مُقابلَ حريق، ولكن: أين حريقٌ من حريقٍ في شدتهِ أو مدته ؟ حريقُ الدنيا نارٌ يُوقِدُها الخلق، وحريقُ الآخرةِ نارٌ يُوقِدُها الخالق ، حريقُ الدنيا لحظاتٌ وينتهي ، وحريقُ الآخرةِ آبادٌ لا يعلمُها إلاَّ الله ، ومعَ حريقُ الدنيا رضىَ اللهُ عن المؤمنين، وانتصارٌ لذلك المعنى الإنساني الكريم، ومع حريقِ الآخرةِ غضبُ الله والارتكاس الهابطُ الذميم 0

يوم أن يُعلنَ أهلُ الصليبِ انتصارَهم في العراقِ وفي أفغانستانِ من قبل، فو اللهِ ما انتصروا، إنَّما المُنتصرونَ حقاً هُم الذين أوقدُوا بدمائهم نارَ النصرِ المرتقبة، المُنتصِرُون حقاً هُم الذين ثَبَتُوا على دِينهم وحافظُوا على مبادئهم، ولو كانُوا اليومَ صرعى أو مُشردين، والمهزومُ من تراجعَ عن دينهِ، وتخلى عن ثوابتهِ، واستسلمَ لأعدائهِ، وخانَ أُمتهُ خوفاً وطمعاً، أولئكَ هُم المُنهزمُونَ حقاً، فلا يغرركَ تقلبُهم في البلاد 0

أقول هذا القول ...

الخطبة الثانية

أما بعد:

يا عبادَ الله، إننا حينَ نستقرئُ ما ذكرهُ اللهُ عن حالِ الأممِ المُكذبة، نجدُ أنَّ سُنةَ اللهِ ماضيةً فيهم، بأن دَمَرهُم تدميراً، ولكن لكُلِ أجلٍ كتاب، ما تسبقُ من أمةٍ أجَلَها وما يستأخِرُون، فلا تعجل عليهم إنَّما نعدُ لهم عداً .

وإذا تأملنَا حالَ أمريكا اليومَ وما هيَ عليهِ، فإنَّ سُنَنَ اللهِ سُبحَانَهُ تُجمعُ على أنَّها تنتظرُ عقاباً إلهياً مُدمراً، يُمزِقُهَا تمزيقاً، فما بلغت أمةٌ في الطغيانِ والجبروتِ والكذبِ والإفسادِ في الأرضِ والصدِّ عن سبيلِ اللهِ ومعاداةِ أولياءِ اللهِ ومطاردتِهم وتعذيبهم، ما بلغت أمةٌ في ذلكَ ما بلغتهُ أمريكا عليها من اللهِ ما تستحق 0

إنَّها الدولةُ التي كفرت بالله، وصدَّت عن سبيهِ، وطاردت المُجاهِدِين والمُصلِحِين، وضَيقَت على المُؤسساتِ الخَيرِيةِ دُون حياءٍ أو خجل، وقد قالَ ربُنَا، ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ) فكيف وهيَ تُعادي أولياءَ الله ، بل وتُعادِي الربَّ سُبحَانهُ استكباراً وعناداً.

إنَّها أمريكا التي ادعت لنفسها من القُدراتِ ما لا يليقُ إطلاقهُ إلاَّ على الله تعالى، فهي تتعاملُ مع غيرِها ولسانُ حالها، ( أنا ربكم الأعلى ) ( ما أريكم إلا ما أرى ) (لا يسأل عما يفعل ) ولقد قالَ فرعونهم يوماً لرئيسِ باكستان، ( إمَّا أن تدخلَ في حلفِ الولاياتِ المتحدةِ في حربها ضدَّ الإرهاب ، وإمَّا أن نعيدَ باكستان إلى العصرِ الحجري ) 0

إنَّها دولةُ الظلمِ والاستبداد، فلا يختلفُ اثنانِ على الحجمِ الهائلِ للظُلمِ الذي أوقعتهُ أمريكا على الدولِ والشُعوبِ والأفراد، فهيَ رائدةُ الظُلمِ على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري.

وقد نهبت ثرواتُ الأممِ والشعوب، وضيقت على دولٍ وحاصرتها وجوّعتها ، وهيَ التي أبادت شُعُوباً بقنابِلِها الحارقةِ في أفغانستانِ وفيتنامِ والصُومَالِ والعراق، حتى بلغَ حجمُ ما صُبَّ على العراقِ من القنابلِ والصواريخِ في الخمسةِ الأيامِ الأولى أربعةَ أضعافِ حجم القنبلةَ التي ضربت اليابان.

أطنانٌ من القنابلِ دُونَ تمييزٍ أو رحمة، فويلٌ لها من الجبَّارِ القهَّار جلَّ جَلالَهُ 0

إنَّهُ ظُلمٌ عالميٌّ تَقُودهُ أمريكا، لم يشهدِ العالمُ لهُ مثيلاً على مرِّ قرونِهِ وتعاقبِ دُهورِه، فهل بدأت نهَايتُها كما قالَ اللهُ، ( وما كُنَّا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون )

إنَّها دولةُ البَطرِ وكفرُ النعم، وهي الرائدةُ في جميعِ أنواعِ الكُفرِ والفسادِ والانحلال، وكلُّ ذلكَ من أسبابِ إهلاكِ اللهِ للأمم، ( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها )

إنَّها دولةُ الاستكبارِ والغرورِ والغطرسةِ، ( وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما .. )

إنَّ من سُننِ اللهِ الواضحةِ أنَّهُ سُبحَانَهُ يُملي للظالمِ حتى إذا أخذهُ لم يفلته، (وكذلكَ أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت