فهو اخبر بأشياء لكن لما اخبر بها هل كان يجوز الجزم بأنها ستقع ؟ الجواب لا لكن بعض ما اخبر به كان صحيحا فلقد اخبر الناس أن التتار سيتحركون ويقصدون الشام ، وان الدائرة والهزيمة عليهم والظفر للمسلمين ، ولما طلب إلى الديار المصرية و أريد قتله اجتمع أصحابه لوداعه وقالوا: لقد تواترت الكتب بان القوم عاملون على قتلك فقال: والله لا يصلون إلى ذلك أبدا ، هذه فراسته ما أُلِقِيَ في قلبه لم يكن من الممكن الجزم لحظة إخباره بها أنها ستقع أنها ستحصل ، فقالوا له: أتحبس ؟ قال: نعم ويطول حبسي ثم اخرج و أتكلم بالسنة على رؤوس الناس .
فقد يكون لبعض الناس فراسة وحدس قوي ولكن لا نستطيع لو اخبرنا بهذا الجزم عند الإخبار انه سيقع كما يخبر وهكذا إذا الفراسة والرؤى .ولنضرب مثلا على رؤيا من الرؤى اخبر بعضهم قال: رأيت جماعة من الصالحين ثار عليهم بعير هائج فخافوا فقام إليه بعضهم فنحروه ، فقال معبرٌ: هذه أمة كفر وعدو يثور على المسلمين هائج يخبط.. يبطش.. يضرب.. يظلم.. ثم تكون نهايته على يد بعض المسلمين وان ذلك يكون يوم النحر في الحج.
هذه الرؤيا مثلا هل نستطيع أن نجزم بان هذا التفسير صحيح ؟ لأ الله اعلم ، هل هذه النهاية على يد المسلمين فعلا ؟ الله اعلم، هل هذا سيكون يوم النحر أو في يوم غير النحر ؟ الله اعلم ، هل هذا سيكون يوم النحر في هذه السنة أو السنة التي بعدها أو التي بعدها أو بعد عشرين سنة ؟ الله اعلم ، إذا كل ما يُخْبَرُ به من تفسير الرؤى والأحلام ظن وإذا كان أبو بكر الصديق الذي هو أبو بكر الصديق لما فسر رؤى قال النبي - عليه الصلاة والسلام - له ( أصبت بعضا و أخطأت بعضا ) فكيف بغيره ممن هو اقل منزلة منه بكثير في العلم والإيمان .
أيها الاخوة نحن إذا في قضية الغيب نوقن بأنه لا يعلمه إلا الله لكن هناك مؤشرات في بعض الأحداث هناك قرائن ممكن يُستوحى من خلالها يفهم يتوقع بعض الأشياء والمسلم ذكي فَطِنْ حكيم يأخذ الحكمة ويتعامل مع الواقع بناء على نور الكتاب والسنة .
نريد أن نتحدث في موضوع أعداد النفوس لأحداث المستقبل ، نحن نعمل أن المستقبل ملئ بالأحداث وكلما قام في الواقع أفعال و أعمال وأحداث وأمور كبار وجب على المسلم أن يستعد لها ، هناك نذر العاصفة إذا جاءت لها نذر
أرى خلل الرماد وميض جمر و أخشى أن يكون لها ضرام
فإن النار بالعودين تذكر وان الحرب مبدؤها كلام
وهذه الأشياء التي نراها في الواقع كحشد الكفار قوتهم مثلا دليل على ماذا؟ على إمكان وقوع أذى وشر وحرب على المسلمين فماذا يوجب هذا بالنسبة لنا ؟ استعدادا نفسيا ومعنويا وماديا لهذه الأشياء المرتقبة و المتوقعة و لنذكر بعض الأصول الشرعية المتعلقة بموضوع الإعداد إعداد النفوس لما يستقبل أو الاستعداد للأحداث المستقبلة فعلى سبيل المثال:
أولا: قصة يوسف - عليه السلام - لما عبر الرؤيا بأنه سيكون هناك سبع رخاء ثم سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن ثم عام يغاث فيه الناس وفيه يعصرون .. ماذا انبنى على هذا الخبر ؟ اخبرهم بخبر مما علمه الله إياه في تأويل الرؤى انه سيكون هناك سبع شداد، إذاً ما هو التصرف عندما علم بذلك هل ناموا ؟ كلا قال ).. فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ..) (يوسف:47)
إذا تدبير محكم ).. فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ) (يوسف:47)
هذا يخزن لمواجهه أحداث المستقبل من القحط )ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ) (يوسف:48)
فكان في ذلك الخبر وما بعده تهيئه .
ثانيا: هيأ الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - لرحلة المعراج وهو حدث ضخم جدا بغسل قلبه بماء زمزم وكان الشق شقان في صباه مرة عند حليمة السعدية كما في صحيح مسلم والثاني ليلة الإسراء والمعراج كما في البخاري قال ابن حجر: الشق الأول كان لاستعداده لنزع العلقة التي قيل له عندها هذا حظ الشيطان منك والشق الثاني كان لاستعداده للتلقي الحاصل له في تلك الليلة .
ثالثا: مثال ثالث اخبر ورقة بن نوفل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سنة إلاهية ستحدث له كما حدثت للأنبياء من قبله ليستعد - عليه الصلاة والسلام - نفسيا لها ، قال: يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك يا ليتني كنت شابا لأقوم معك بالمواجهة إذ يخرجك قومك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( أو مخرجي هم ؟ ) قال نعم .
هل ورقة قال ذلك عن وحي ؟ لأ ،لكن قالها عن سنة ربانية في الأنبياء قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي إلا عاداه قومه إذا توقع من الآن يا محمد - صلى الله عليه وسلم- توقع مواجهه لابد هذه سُنة في الأنبياء سُنة يأتي رجل بمثل ما جئت به إلا عودي ، جئت مخالفا لقومك في عبادتهم ودينهم وملتهم توقع الأذى إذاً .