ولقد وصل الله تعالى من وصل الرحم وقطع من قطعها فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله علي وسلم قال:"إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطعية، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت: بلى، قال فهو لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقرؤوا إن شئتم { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } 13. فصلة الرحم لها أثر كبير في بناء مجتمع مسلم قوي مبني على التراحم والتعاطف فيما بين أفراده لا يستطيع شيء الوقوف أمامه."
فإذا كانت هذه هي صلة الرحم وهذا هو فضل صلتها، فكيف إذا كان ولا بد من السفر للقيام بها، فلا شك أن الأجر والفضل في هذه الحالة سيكون أكثر وأكبر مما كان سابقًا، وذلك أنه - والحالة هذه - سوف يتحمل الكثير من المشاق والمتاعب لا في سبيل القيام بها والوصول إليها.
6: السفر لزيارة الإخوان في الله:
من المعلوم أن الدين الإسلامي هو دين الإخاء وأن أول ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد هجرته وبناء المسجد مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، فكان هذا الإخاء أحد العناوين الرئيسية للدين الجديد الذي بهر الناس بهذه المثالية التي تمثلها المهاجرون والأنصار.
فالسفر لزيارة الإخوان في الله -لا في النسب- من القربات الكبيرة عند الله سبحانه وتعالى، لأن من يقوم به يتجشم المتاعب والأخطار لا لشيء وإنما لزيارة أخ له جمعه به الإسلام. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من عاد مريضًا أو زار أخا ً له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا"14. وإذا كان الحب بين الإخوة في الله ولله فهذا يكون أرقى حب وأسماه لأنه تجرد من جميع الشوائب التي قد تغيره وتضعفه، وصاحبه يكون ممن يحبهم الله تعالى ومن أحبه الله فقد فاز بنعيم الدنيا والآخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكًا فلما أتى عليه قال: أين تريد: فذكر أنه يريد زيارة أخيه في الله، قال: هل لك عليه من نعمة تربها قال: لا غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه"15.
هذه بعض أنواع سفر الطاعة وهناك الكثير من الأنواع التي إذا أريد بها وجه الله تعالى وكانت نيتها خالصة لوجهه تعالى كانت من سفر الطاعة.
النوع الثاني من أنواع السفر: سفر المعصية:
وسفر المعصية هو السفر الذي تكون فيه نية المسافر القيام بعمل نهى الشارع عنه نهيًا قطعيًا جازمًا ونفر منه الشارع ومن القيام به، ورتب على القيام به عقوبة شرعية تقع على من قام بهذا العمل وهذه العقوبة إما دنيوية من حد أو قصاص، أو تعزير، وإما أخروية بما يكتسبه الإنسان من إثم وسيئات تهلكه وتدخله نار جهنم والعياذ بالله. وهناك العديد من الأمثلة التي يمكن سردها للدلالة على ما مضى الآتي:
1: الخروج إلى البراري والفلوات والجبال، من أجل التقطع والسرقة ونهب أموال الناس بالباطل:
فهذا الخروج من المنكرات ومن أكبر المعاصي التي قد حد لها الشرع حدًا، وعقوبة زجرٍ لمن يقوم بمثل هذه الأعمال التي لا يرضاها عقل ولا دين، وتنشر الخوف والذعر بين الناس وعدم الطمأنينة يقول تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساد أن يقتلوا.. الآية} لمائدة: 33، فكانت هذه الآية حدًا قويًا وزاجرًا لكل من تسول له نفسه الخروج إلى مثل تلك الأماكن للنهب والسلب والقتل، وذلك لأن الدين الإسلامي كفل حماية النفس والمال والعقل والعرض والدين، وعظم قدرها بل وكل شريعة، تعظمها، لذلك فهذا السفر والخروج والمشقة التي يلاقيها صاحبه كله معصية كبرى لله سبحانه وتعالى.
2: السفر للتجارة بالمحرمات:
التجارة أمر مشروع ورغب فيها الشارع الحكيم، وكذلك السفر للتجارة من مدينة أو دولة لأخرى فقد سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الشام للتجارة في مال أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: فكان هذا السفر مباحًا، ولكن إذا كان السفر للتجارة بأشياء محرمة فإن هذا السفر لهذه التجارة مهما قل أو كثر تكون له أضراره الملموسة على الفرد والمجتمع.
ثالثا ً: السفر المباح:
هذا السفر يختلف عن غيره من الأسفار المذكورة سابقًا؛ وذلك لأن حكم على هذا النوع يرجع مباشرة إلى حكم المقصد الذي أنشأ من أجله المسافر سفره، فإن كانت نية المسافر مقصده من السفر طلب العلم أو المسافر للتجارة بالمحرمات خرج حكم هذا السفر عن كونه مباحًا إلى حكم تلك الأسفار على ما مرّ آنفًا وإن السفر مثلًا:
1: لطلب الرزق والتجارة المشروعة:
فطلب الرزق من الأمور المشروعة والمباحة لكل فرد ليدفع به الضرر أو الجوع عن نفسه وعن من يعول من أفراد أسرته، قال الله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} سورة الملك: 15. فـ( إذا كان قصده بطلب المال مثلًا: التعفف عن السؤال ورعاية ستر المروءة على الأهل والعيال، والتصدق فيما يفضل عن مبلغ الحاجة صار هذا المباح بهذه النية من أعمال الآخرة 16 فالنية هنا لها دور كبير في تعيين حكم السفر من حيث الوجوب أو الندب أوالحرمة أو بقاؤه على أصل الإباحة. ومن الأمثلة أيضًا:
2: السفر للوظيفة:
من المعروف أن أغلب الأسفار تكون باختيار المسافر نفسه للقيام بأي الأعمال التي تهمه، ولكن قد يحث وأن يسافر الإنسان تنفيذا ًلأمر يطلب من قبل الجهة التي يعمل بها وذلك كالبعثات الدبلوماسية والملحقات العسكرية والثقافية، ومندوبي الشركات وممثليها وغيرهم ممن يقومون بأعمال توكل إليهم أثناء سفرهم، فهذا النوع مثل غيره من سفر الإباحة، وقد يكون واجبًا إذا كان فيه خدمة لدين الله أو دفع ضر عن الإسلام والمسلمين. فإذا كان هذا السفر بعيدًا عن المحرمات وعن الشبهات ومحارم الناس وأعراضهم، فإنه مباح كغيره لكونه من الأعمال المباحة التي أباحها الله تعالى.
3: السفر للسياحة والتنزه:
يحتاج الإنسان من وقت إلى آخر إلى فترة يرفه فيها عن نفسه لأنه قد يمل من تكرار الوجوه والمناظر والأشياء، وعدم التغير فيها، وقد يمل كذلك من كثرة الأعمال والمشاغل والمسؤوليات والمشاكل التي تواجهه في حياته، كل ذلك يجعله يفكر بالسفر والخروج من المكان المعتاد والبعد عنه، للترويح عن نفسه واستعادة نشاطه. أو التفكر في مخلوقات الله تعالى وعظمته.
وهذا السفر إذا خلا من المنكرات والمحرمات التي ترتكب هذه الأيام بإسم السياحة والتنزه والتصيف فهو سفر مباح.
وعلى الإنسان أن لا يكثر من هذه الأسفار حتى لا يضيع وقته وحياته في ما لا يعود عليه بالنفع في آخرته؛ لأن الإنسان سوف يسأل يوم القيامة عن شبابه ووقته وحياته فيم قضاها. كما قال عليه الصلاة والسلام:"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه".. الحديث 17.
فالإكثار من الأسفار من الشواغل التي تشغل الإنسان وتشل تفكيره وتجعله يقصر في أداء الواجبات والفرائض التي افترضها الله عليه، قال الغزالي: وأما السياحة في الأرض على الدوام فمن المشوشات للقلب 18.
هذه بعض مقاصد السفر وقد ذكرنا الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر، وأسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل والحمد لله رب العالمين.