فهرس الكتاب

الصفحة 7796 من 9994

أخي المسلم، واسمَع لقولِ عالمٍ آخر من علماء المسلمين وهو ابن الوزير رحمه الله حيث يقول:"إنّ الوقفَ عن التّكفير عند التّعارض والاشتباه أولَى وأحوط، وذلك أنّ الخطأ في الوقف على تقديره تقصيرٌ في حقٍّ من حقوق الغنيّ الحميد العفوّ الواسِع أسمَح الغُرَماء وأرحمِ الرّحماء وأحكَم الحكماء سبحانه وتعالى، والخطأُ في التّكفير على تقديره أعظمُ الجنايات على عبادِه المسلمين المؤمنين، فقد أخلّ ـ أي: المكفِّر ـ بحقّ المخلوقِ المسلم، بل تعدّى عليه، وظلَمه أكبرَ الظّلم وأفحشَه، فأخرجه من الإسلامِ وهو يشهَد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا رسول الله وأنّ جميع رسلِه وكتبِه وما جاء فيها عن الله عزّ وجلّ حقّ لا شكّ فيه ولا ريبَ في شيء منه على الجملة، وإنّما أخطأ في بعضِ التّفاصيل، وقد صرّح بالتّأويل فيما أخطأ فيه.. ـ إلى أن قال: ـ وقد عُوقبَت الخوارجُ أشدَّ العقوبةِ وذُمَّت أقبحَ الذمّ على تكفيرهم لعصاةِ المسلمين مع تعظيمهم في ذلك لمعاصِي الله وتعظيمهم لله تعالى بتكفير عاصيه، فلا يأمَن المكفِّر أن يقعَ في مثلِ ذنبِهم، وهذا خطرٌ في الدين جليل، فينبغي شدّةُ الاحتِراز فيه من كلّ حليم نبيل، ولأجل هذا عُذِر المتوقِّف في التّكفير، وكان هذا هو الصّحيح عند المحقّقين، بل كما قامت عليه الدّلائل والبراهين"انتهى كلامه المتين.

أمّة الإسلام، التّكفير حكمٌ شرعيّ وحقٌّ محضٌ لله ولرسوله ، وعلى هذا تواتَر كلام أهل العلم وتناقله الخلفُ عن السّلف، يقول ابن القيّم رحمه الله:

الكفرُ حقُّ الله ثمّ رسولِه بالنّصّ يثبتُ لا بقولِ فلان

من كان ربّ العالمين وعبده قد كفّراه فذاك ذو كفران [9]

حينئذٍ إذا ثبَت في الشّرع أمرٌ ما وأنّه مكفِّر فلا بدّ مِن انطباقِ هذا الحكمِ على القائل المعيَّن أو الفاعِل المعيَّن، بحيث تتمّ شروطُ التّكفير في حقِّه وتنتفي موانعُه، وفقَ نظرٍ دقيق من عالمٍ محقِّق.

وفي مثلِ هذا تتكاثر أقوالُ أهل العلم وتتضافر، وكلُّها تنصّ على أنّه ليس لأحدٍ أن يكفِّر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تُقام عليه الحجّة وتُبيَّن له المحجَّة، فمَن ثبت إسلامُه بيقين لم يزُل عنه ذلك بشكٍّ، بل لا يزول إلاّ بعد إقامةِ الحجّة وإزالة الشّبَه.

يقول الشّوكانيّ رحمه الله:"اعلَم أنّ الحكمَ على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدِم عليه إلاّ ببرهانٍ أوضحَ من الشّمس" [10] .

ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:"وبالجملة فيجب على من نصَح نفسَه أن لا يتكلَّم في هذه المسألة ـ أي: التكفير ـ إلاّ بعلمٍ وبرهان من الله جلّ وعلا، وليحذَر من إخراج رجلٍ من الإسلام بمجرّد فهمِه واستحسان عقله، فإنّ إخراجَ رجلٍ من الإسلام أو إدخالَه من أعظم أمور الدّين، وقد استزلّ الشيطانُ أكثَر النّاس في هذه المسألة"انتهى [11] .

معاشرَ المسلمين، يجِب على آحادِ النّاس الحذَر كلَّ الحذَر من الوقوع في مثل هذه القضايا العظيمةِ أو الكلامِ عنها أو تنصيبِ النّفس في الخوض في تفاصيلها، لا مِن جهةِ النّفي ولا من جهةِ الإثبات.

قال ابنُ أبي العزّ رحمه الله:"واعلَم أنّ بابَ التكفير وعدمَ التكفير بابٌ عظمَت الفتنة والمِحنة فيه، وكثُر فيه الافتراق، وتشتّتت فيه الآراء والأهواء"انتهى [12] .

ومِن هنا فيجِب أن تُترَك الأحكامُ في مثل ذلك للعلماءِ الربانيّين والأئمّة المهتدين، ليقرّروا ما يرضِي اللهَ جلّ وعلا ويرضي رسولَه في هذه القضايا وأمثالِها، ومع هذا شدّد أهلُ العلم المتقدّمون في مصنّفاتهم في هذه القضيّة، وبيّنوا أنّ على المفتي أن يغلِّب سدَّ الذّرائع وأن يحتاط في الفتوَى، ومِن كلامهم في ذلك قولُهم:"ينبغي للمفتِي ـ والمراد المفتي الذي اكتمَلت فيه شروط الفتوى ـ أن يحتاطَ في التّكفير ما أمكنَه لعِظمِ خطرِه وغلبةِ عَدمِ قصدِه، سيّما العوامّ"، ويقول بعضهم:"إذا كان في المسألةِ وجوهٌ توجِب الكفرَ ووجه واحدٌ يمنعه فعلى المفتي أن يميلَ إلى الوجهِ الذي يمنَع التكفيرَ تحسينًا للظنّ بالمسلِم، إلاّ إذا صرّح بإرادةِ موجَب الكفرِ فلا ينفعُه التأويل حينئِذ"، ويقول آخر:"لا يكفَّر بالمحتمِل؛ لأنّ الكفرَ نهايةٌ في العقوبة، فيستدعي نهايةً في الجنايَة، ومع الاحتمال لا نهاية".

ذلكم ـ عبادَ الله ـ أنّ المقرّر عندَ أهل السنّة والجماعة أنّ الكفرَ شعَبٌ متعدِّدة، وله مراتبُ، منها ما يخرِج من الملّة، ومنها ما لا يخرِج من الملّة، ولا يلزَم من قيام شعبةٍ من شعبِ الكفرِ بالعبدِ أن يصيرَ كافرًا الكفرَ المطلَق، حتّى تقومَ به حقيقةُ الكفر.

إخوةَ الإسلام، ومِن متحذلِقةِ الكتَّاب من يطالعُ المسلمين بكتاباتٍ يرتقي بها مرتقًى صعبًا، ويطرُق ما لا إحاطةَ عنده به ولا علمَ لدَيه حوله، فتراه يبتغي طبَّ زُكامٍ فيُحدِث جُذامًا، عندَه جنايةٌ على قواعدِ القرآن والسنّة، ولديه مخالفةٌ صريحة لأصولِ أهل السنّة والإيمان، فتراه يقرّر في كتاباتِه نسفَ اعتبار الأصولِ المعتَبرة في القرآن والسنّة لهذه القضايا المهمّة، ويخالف بذلك ما عليه أهلُ العلم والعِرفان وذوي التّحقيق والبيان، فيقع بذلك في عقيدةِ الإرجاء المخالفةِ لعقيدة أهلِ السنّة والجماعة، ولا سلامةَ من ذلك إلاّ بردّ الأمرِ إلى أهله وعدَمِ طرقِ ما لا يفقهه إلاّ العلماء المخلِصون والفقهاء المتخصِّصون، فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ [النحل:43] .

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنّة، ونفعنا بما فيهما من البيان، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقِه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابِه وإخوانه.

أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ، فهي وصيّة الله جلّ وعلا للأوّلين والآخرين.

عبادَ الله، آنَ للأمّة الإسلاميّة أن تفقهَ حاضرَها وماضيَها، وآن أن تتبصَّر بيقينِ الواقع والتّجربةِ والبرهان أنّ تبنّي الأحزابِ المتعدِّدة والقوميّات المختلِفة والعنصريّات المتفرّقة وأنّ السعيَ وراءَ الشعارات الزائفةِ والرّايات المهلهلَة كلُّ ذلك ما قاد الأمّة إلاّ إلى هاويةٍ سحيقة وهزائمَ منكرة، وما جرّ لها إلاّ خزيًا وعارًا وذلاًّ وهوانًا، فلا هي ـ والله ـ بنَت مجدًا ولا حقَّقت عِزًّا ولا أسعَدت أحدًا.

نعَم، آن للأمّة أن تتذكّر بجدٍّ وحزم وصِدقٍ أنّ عدولَها عن كتاب ربِّها وسنّة نبيّها وأنّ الاستعاضةَ عن ذلك بقوانينَ وضعية ودساتير بشريّةٍ كلّ ذلك ما حقَّق لها إلا الشقاءَ ولا أوقعها إلاّ في البلاء.

ألا فيا عقلاَء الأمّة وحكماءَها، الدعوةَ الدعوةَ لإصلاح الأحوالِ مِن منطلقاتِ قرآننا وسنّة نبيّنا، ولنحرِص جميعًا على اتّفاق الكلمة ووَحدة الصفّ على شرع الله جلّ وعلا والاقتداءِ بسيّد البشريّة عليه أفضل الصلاة والسلام، فلن يُصلِح آخرَ هذه الأمّة ويُسعدَها وينجيَها إلاّ ما أصلح وأسعدَ أوَّلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت