فهرس الكتاب

الصفحة 9103 من 9994

هذا سيد بني سلمة -عمرو بن الجموح- رضي الله عنه لما كان يوم أحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قوموا إلى الجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) )فقام وهو أعرج، فقال: والله لأقحزن عليها في الجنة، فقاتل حتى قتل.

إنها الجنة: فسلوا عنها السيد الشهيد جعفر الطيار رضي الله عنه: الذي قال شوقاً إليها في يوم مؤتة:

يا حبذا الجنة واقترابها ……طيبة وبارد شرابها

إنها الجنة: التي غرس غراسها الرحمن بيده، فرحم الله أقواماً عظموا من غرسها وقدروا قدر الغرس في الحديث الصحيح: (( قال: يا رب أخبرني بأعلاهم منزلة، قال: أولئك الذين أردت وسوف أخبرك، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر ) )، فقد أخبر أنه غرس جنتهم بيده سبحانه.

إنها الجنة: التي لا يسأل بوجه الله العظيم غيرها لكرامتها على الله إنها الجنة، فسلوا عنها أنس بن النضر رضي الله عنه يقول لسعد بن معاذ: (واهاً لريح الجنة .. أجده دون أحد) .

في أسد الغابة: (أي سعد، هذه الجنة ورب أنس، أجد ريحها دون أُحد) .

إيهٍ يا ابن النضر، طال شوقكم إلى الجنة، وطهرت منكم الأقوال والأعمال والأجساد، فشممتم عبير الجنة، ونحن زكمت أنوفنا بالمعاصي والآثام بجيف الدنيا فلم تجد الجنة فيها موضعاً.

إنها الجنة: دار كرامة الرحمن، فهل من مشمر لها، إنها الجنة: فاعمل لها بقدر مقامك فيها، إنها الجنة فاعمل لها بقدر شوقك إليها، يقول ابن القيم رحمه الله: لما علم الموفقون ما خلقوا له وما أريد بإيجادهم رفعوا رؤوسهم، فإذا علم الجنة قد رفع فشمروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، في أبد لا يزول ولا ينفد بصبابة عيش، إنما هو كأضغاث أحلام: أو كطيف زار في المنام، مشوب بأنغاص ممزوج بالغصص، إن أضحك قليلاً أبكى كثيراً، وإن أسر يوماً أحزن شهوراً، آلامه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف مسراته، فيا عجباً من سفيه في صورة حليم، ومعتوه في مسلاخ عاقل، آثر الحظ الفاني على الحظ الباقي النفيس، وباع جنة عرضها الأرض والسماوات بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار، وأبكاراً عرباً أتراباً كأنهن الياقوت والمرجان بقذرات دنسات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان، وحوراً مقصورات في الخيام بخبيثات سيبات بين الأنام، وأنهاراً من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل، مفسد للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم، بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم، وسماع الخطاب من الرحمان بسماع المعازف والغناء والألحان، والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد يوم المزيد بجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد، ونداء المنادي: يا أهل الجنة، إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا: وتحيوا فلا تموتوا، وتقيموا فلا تظعنوا، و تشبوا ولا تهرموا، وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة، وإنما يتبين سفه بايعه يوم الحسرة والندامة، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفداً وسيق المجرمون إلى جهنم ورداً، ونادى المنادي على رؤوس الأشهاد ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد، فلو توهم المتخلف عن الرفقة ما أعد الله لهم من الإكرام وادخر لهم من الفضل والإنعام ما أخفى لهم من قرة أعين لم يقع على مثلها بصر ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر ليعلم أي بضاعة أضاع، وأنه لا خير له في حياته وهو مغرور من سقط المتاع، وعلم أن القوم قد توسطوا ملكاً كبيراً لا تعتريه الآفات لا يلحقه الزوال، وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الكبير المتعال، فهم في روضات الجنات يتقلبون، وعلى أسرتها تحت الحجال يجلسون، وعلى الفرش التي بطائنها من إستبرق يتكئون، وبالحور العين يتنعمون، وبأنواع الثمار يتفكهون وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ [الطور:24] . يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مّن ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الاْنْفُسُ وَتَلَذُّ الاْعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71] .

تالله لقد نودي عليها في الكساد، فما قلّب ولا استام إلا أفراد من العباد، فوا عجباً لها كيف نام طالبها؟ وكيف لم يسمع بمهرها خاطبها؟ وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها؟ وكيف قر للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها؟ وكيف قرت دونها أعين المشتاقين؟ وكيف صبرت عنها أنفس الموقنين؟ وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين؟ وبأي شيء تعوضت عنها نفوس المعرضين؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة.

وفي الصحيح أن الله عز وجل يقول لآدم عليه السلام: (( يا آدم اذهب فأخرج بعث ذريتك إلى النار، فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ) ).

يا سلعة الرحمن، هل ينالك في علاك إلا كل عالي الهمة غير مخلد إلى الأرض والحطام الفاني:

يا سلعة الرحمن لست رخيصة……بل أنت غالية على الكسلان

يا سلعة الرحمن ليس ينالها…في الألف إلى واحد لا اثنان

يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها…إلا أولو التقوى مع الإيمان

يا سلعة الرحمن سوقك كاسد……بين الأراذل سفلة الحيوان

يا سلعة الرحمن أين المشتري…فلقد عرضت بأيسر الأثمان

يا سلعة الرحمن هل من خاطب…فالمهر قبل الموت ذوو إمكان

يا سلعة الرحمن كيف تصبر……الخطاب عنك وهم ذوو إيمان

يا سلعة الرحمن لولا أنها……حجبت بكل مكاره الإنسان

ما كان عنها قط من متخلف……وتعطلت دار الجزاء الثاني

لكنها حجبت بكل كريهة……ليصد عنها المبطل المتواني

وتنالها الهمم التي تسمو إلى……رب العلى بمشيئة الرحمن

اتعب ليوم معادك الأدنى تجد ……راحاته يوم المعاد الثاني

إنها الجنة: لله قوم نهضت بهم عز الهمم نحو الجنة فساروا إليها مدلجين لم ينزلوا بشيء من منازل الطريق مستريحين، ولكنهم واصلوا السير إلى غايتهم معرضين عن هذا الخزف الخسيس، مؤثرين عليه الذهب النفيس، ساروا إليها تحدوهم أشواقهم قاصدين إليها غير متعثرين ولا معوجين ولا متخلفين حتى وصلوا إلى غايتهم سالمين، ما ضرهم في الدنيا ما أصابهم، جبر الله لهم بالجنة كل مصيبة.

أقول ما تسمعون والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إني لأعلم خير آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة، رجلاً يخرج من النار حبواً، فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله عز وجل: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملآى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملآى، فيقول الله عز وجل: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا عشرة أمثالها، فيقول: أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقول: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة ) ) [متفق عليه] .

إنها الجنة: دار الموقنين بوعد الله

تسعى بهم أعمالهم سوقاً إلى ……الدارين سوق الخيل بالركبان

صبروا قليلاً فاستراحوا……دائماً يا عزة التوفيق للإنسان

حمدوا التقى عند الممات كذا السرى …عند الصباح فحبذا الحمدان

وحدت بهم عزماتهم نحو العلا ……وسروا فما نزلوا إلى نعمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت