فهرس الكتاب

الصفحة 4158 من 9994

وقال: { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } اليوم يكثر حديث في ديار الإسلام عموماً عن ما يسمى بـ"حرية المرأة"وعن تخفيف قيود التقاليد البالية ، وعن إلغاء عوامل الكبت وإطلاق سبل الترقي والتحضر ، وكأن القوم عميٌ لا يبصرون ، صمٌ لا يسمعون قد أصابهم جنون فهم لا يعقلون .

إن هذه المقالات وتطبيقاتها العملية هي التي أدت بالمجتمعات الغربية ، وبعض المجتمعات الإسلامية والعربية إلى أن بلغت مبلغاً عظيماً في آثار هذه الفواحش .

واستمعوا إلى مقالة رجلٍ يهوديٍ أسس لانحراف البشرية وقعد له ، بعد أن ذكرت لكم ما قد يقال من الأقوال: يقول فرويد - عالم النفس الشهير اليهودي -:"إن الإنسان لا يحقق ذاته بغير الإشباع الجنسي ، وكل قيدٍ من دينٍ أو أخلاق أو تقاليد هو قيد باطل ، ومدمر لطاقة الإنسان ، وهو كبت غير مشروع".

قال ذلك وسار القوم على خطاه ، وانتهى الأمر بهم إلى أن يمارسوا الفاحشة مع البهائم .. بعد أن فشا فيهم شذوذ بممارسة الفواحش بين الرجال والرجال والنساء والنساء ؛ بل قد وجدت مجموعات من هؤلاء الشاذين في بلاد العرب والمسلمين ، وكلما تركنا ما أسماه قيد الدين والأخلاق أو التقاليد كلما فتحت أبواب الشر ، وتسهّلت أسباب الفساد ، وعظم ارتكاب الفواحش ، وزاد الخنا والزنا والفسق والفجور ، وزاد معه ما في هذه البلايا من رزايا .

ولعلنا ننتبه إلى أمور أخرى أحب أن أربطها بهذا الِشأن ؛ فإن الذي يقال وربما يردد من هذه الأمور التي يدعى فيها حرية المرأة ، والتي يدعى فيها توسيع دائرة دورها في أمورٍ نحن نعلم كيف بدأت ؟ وإلى أين انتهت ؟ وفي أمورٍ لو أنها كانت قائمةً على أحكام الشرع ومنضبطة بضوابطه ؛ لعلمنا يقيناً أن خواتيمها ليس فيها ضرر غير أنها تبدأ - كما يقال - بأول الغيث قطر ثم ينهمر .. نظرةٌ فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء .. وذلك ما نشهده في كل حال دنيا الناس ، وما نشهده في آحاد الأفراد .

انظروا إلى من انحرف أو انغمس في بعض الشهوات والملذات .. هل تراه بدأ بالفواحش الكبرى ؟ وهل تراه بدأ بالكبائر التي قد عظم الله عز وجل ارتكابها ؟

إنه بدأ بأمور يسيرة ، وبتجاوزات خفيفة .. بدأ بنظر آثم ، وترخص في حديثٍ واختلاطٍ مغرٍ ، وانتهى إلى خلوة محرمة ، ومشى إلى أمور انتهت به إلى ما نحن نوقن بأن بدايته ستكون هذه نهايته .. قال تعالى: { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } "لا تقربوا"أي لا تأتوا دواعيه ، ولا تدعوا بمقدماته ، ولا تتساهلوا في أي أمرٍ يتصل به .

قال تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم } والخطاب كذلك: { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن } .

وإذا جئنا إلى السمع نجد قول الحق سبحانه وتعالى في خطاب أمهات المؤمنين العفيفات المؤمنات: { ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً } .

إمالة القول سبب لفتنة القلب ؛ فكيف بما هو أعظم من ذلك من الضحك والحديث والملاعبة والأحاديث الإيحائية الإغرائية وغير ذلك .. بل الأنف حتى جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( أيما امرأةٍ خرجت متعطرة ليجد الرجال ريحها تلعنها الملائكة حتى ترجع ) .

لأن لذلك تأثيراً، وكل الجوارح والحواس مفضية إلى القلب ومؤثرةٌ فيه ..

وكنت متى أرسلت طرفك رائداً *** لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادر *** عليه ولا عن بعضه أنت صابر

النظرة سهم من سهام إبليس ( العينان تزنيان وزناهما النظر ) وكل جارحةٍ لها زناها ؛ وحينئذٍ وبعد هذا البيان القرآني الرباني .. هل ينكر علينا وعلى كل مؤمن غيور أن يذمّ ، وأن ينتقد ، وأن يحرم بتحريم الله عز وجل وتحريم رسوله صلى الله عليه وسلم ما يبث على الفضائيات من الغناء والرقص والتبجح والعري ، الذي أجزم يقيناً أنه من الأسباب المؤدية إلى الوقوع في هذه الفواحش والداعية إليها ، والمرغبة فيها المؤججة للغرائز والمشاعر نحوها والمسهلة على ارتكابها والمهونة لشأنها ، والتي تعرضها كأنه ليس فيها آياتٍ محرمة ، ولا أحاديث مؤثمة ؛ بل تعرضها على أنها من صور التحضر والفنون الراقية .

وأقول هذا لأخاطب إخواني المؤمنين لينتبهوا لأنفسهم ، ولأبنائهم ، ولبناتهم ؛ فإن أول الغيث قطرٌ ثم ينهمر .

ولأن أول الخطايا والفواحش إنما هي صغائر ، لا يكاد المرء يلتفت إليها ..

لا تحقرن من الذنوب صغيرةً *** إن الجبال من الحصى

ونحن نقول هذا ، ويأتينا من يقول: إن مثل هذا القول تشددٌ في غير محله بل بعضه يعده تطرفاً عن الاعتدال والوسطية التي يفهمونها فهماً غير صحيح ، بل ربما يرجم بعضهم رجماً أعظم فيقول: إن قائل هذا من أهل الإرهاب والغلو .. ونحوه . فأي شيء يريدون أن يبقوا لنا من ديننا ومن عفة وحياء بناتنا ، ومن شرف ورجولة أبناءنا ، ومن حصانة ورقي وحفظ مجتمعاتنا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت