فهرس الكتاب

الصفحة 4159 من 9994

إنها السدود التي تبدأ بخرم صغير يتسرب منه الماء قليلاً ، ثم يتشعب وينصدع ذلك السد ، ثم لا يلبث - عياذاً بالله أن يفرق فيه خرقاً يتسع على الراقع ويوشك من بعد أن ينهد السد وأن يفيض الطوفان فيغرق كل أحدٍ حتى من لم يكن سبباً في ذلك ، ولنستحضر حديث أم المؤمنين رضي الله عنها عندما تعجبت وسألت سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: ( نعم إذا كثر الخبث ) .. قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم .

ويوم يقول المؤمنون ذلك في هذه الأيام ، ويوم يربطون بينما يحصل من البلاء وما يقع من المعاصي يتهمون بأنهم حمقى ومغفلون !!

ها هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يبين هذه المخاطر ويقول: ( والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرى أو ليسلطن الله عليكم شرركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لكم ) .

أوليس قد ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أوليس القرآن قد نص عليه بقوله جل وعلا: { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس } فهل تعليل القرآن ، وتحليل المصطفى النبي العدنان صلى الله عليه وسلم باطل ولغو ؟ حاشا لله عز وجل أن يكون كذلك فتنبهوا لمثل هذا !

وانظروا إلى تشريع الإسلام الحكيم الضابط في كل جانب من هذه الجوانب ، وكيف جعل بين الحلال وبين الحرام أموراً تكون بمثابة الوقاية والحماية ..

وكلكم يحفظ حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات يوشك أن يقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ) .

ابحث في حياتك كل أمرٍ من المعاصي الواضحة ارتكبته فانظر إلى الخلف قليلاً ؛ فإنك واجدٌ أمورٌ من المشتبهات ، وأمور مما فيه قليل أو يسيرٌ من المحرمات كان هو طريقك إلى هذا فقطع الطريق من أوله واقطع على الشيطان وسواسه فإن ذلك بما هو أخطر .

ولعلي وأنا أذكر ذلك استحضر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن ماجة في سننه منفرداً به ، ورواه الحاكم وصححه في قوله عليه الصلاة والسلام: ( خمس إذا ابتليتم بهن - وهو يخاطب المهاجرين - وأعوذ بكم أن تدركوهن ... لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلى فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهن ) وهذا هو الواقع ينطق ويشهد فيما أخبر به سيد الخلق صلى الله عليه وسلم .

ولا شك أن كل معصية ومخالفة هي سبب لحصول سخط الله عز وجل وغضبه ، وما أدراكم ما غضب الحق جل وعلا في قصة موسى عليه السلام مع فرعون لما طغى وبغى وتجبر وتكبر .. قال الله جل وعلا في شأنه وشأن من تبعوه: { فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين } .

وهذا هو الأمر الذي يتعرض له ويعرض كل أحدٍ له نفسه إذا تعرض لسخط الجبار .

ويكفينا كذلك ما جاء في القرآن في قصة قوم لوط ، وفي أوصافهم فيما ارتكبوه من الشذوذ الذي فشا في دنيا الناس اليوم - والعياذ بالله - كل مسلم قبيح وكل سمة رذيلة ذكرت عن هؤلاء في القرآن .. قال تعالى: { بل أنتم قومٌ تجهلون } ، { بل أنتم قومٌ عادون } ، { بل أنتم قومٌ مسرفون } وفي دعاء لوط عليه السلام: { رب انصرني على القوم المفسدين } وفي قوله كذلك: { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } .

وعنهم قال الحق جل وعلا: { لعمرك إنه لفي سكرتهم يعمهون } وخاطبهم لوط فقال: { أليس منكم رجل رشيد } .

الفاعلون لهذه الفاحشة قومٌ عادون ، مفسدون مجرمون ، في الغي ثابرون ، ليس لهم عقل ولا رشد !

وتأتينا العقوبات والحدود الإلهية من جلد الزان غير المحصن ، ورجم الزاني المحصن ، وقتل من يفعل فعل قوم لوط .. فيقولون لنا:"إن هذه عقوبات ليست إنسانية ، وتتعارض مع حقوق الإنسان !".

ولا يدركون أنهم يقتلون الإنسان بالملايين ، ويفعلون ذلك عن صدق علمٍ وإصرار كما يقال حتى بلغت الوفيات بمثل هذه الأعداد المذهلة وأسبابها كما يقررونها علمياً أنها الأسباب المباشرة لهذه الجرائم والفظائع والفواحش .

وهكذا نجد أن الله عز وجل قد آتانا في الإيمان وفي الإسلام ، وفي الشرائع والأحكام ما يحفظ نقاء القلوب ، وشرف النفوس ، ورشد العقول ، وسلامة الجوارح ، وطهارة المجتمع ، وعفة ورفعة الأخلاق ، فإذا تنكبنا نهج ربنا وخالفنا هدي رسولنا ، فلنؤذن بما قدره الله عز وجل من البلاء والهلاك .. نسأل الله عز وجل السلامة .

الخطبة الثانية

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت