فهرس الكتاب

الصفحة 7878 من 9994

و نحن مأمورون بالتحاكم و الرد إلى كتاب الله و السنة و ذلك علامة الإيمان, و برهان الإسلام و الإستسلام. هذان المصدران ربانيان فالقرآن كلام الله و وحيه و السنة كذلك وهي شارحة للقرآن و مبيّنة لمجمله. إنهما مصدران محفوظان بحفظ الله و قد قال الله عن كتابه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } سورة الحجر:9, و قال عن رسوله {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } سورة النجم: 4-3 و تعظيم هذين المصدرين من تعظيم الله, و الإذعان لهما و الخضوع و الإنقياد هو إذعان لله عزّ و جلّ {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} سورة الزمر: 54 { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } سورة الحج: 32

كيف لا يكون القرآن مصدرا للتلقي و الله يقول عنه { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} سورة الأنعام: 38 يقول الشافعي رحمه الله:"ليس تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا و في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" (الرسالة/ 20) و كيف لا يكون القرآن مصدرا هادياً للتلقي و الله يقول عنه { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } سورة الإسراء: 9

و كل من ابتغى الهدى بغير الكتاب و السنة ضلّ و أضلّ.. يقول الشاطبي رحمه الله:"و لقد زلّ بسبب الإعراض عن الدليل و الاعتماد على الرجال أقوام خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة و التابعين و اتبعوا أهواءهم بغير علم فضلّوا عن سواء السبيل (الاعتصام: 2/ 743) "

إنَّ القرآن مصدّق للكتب قبله و مهيمن عليها فلا يسوغ لأحد أن يتجاوز القرآن, و من ظنّ أن في القرآن نقصا أو عجزا عن معالجة القضايا المعاصرة, فقداتهم القرآن و التهمة به أولى..نعم هناك سياسة شرعيّة تنطلق من الوحيين, و هناك منهج اقتصاديّ و اجتماعيّ يرسم ملامحة القرآن والسنّة, و من ظنّ القصور في نصوص الشريعة الغراء في أيّ مجالات الحياة, فالقصور منه و إنما أوتي من سوء فهمه و قلة علمه و جهله بل من ظنّ أنّ الدين غير قادر على استيعاب الحياة المعاصرة فقداتهم الدين بالنقص و القصور, و الله تعالى يقول و هو أصدق القائلين { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً } سورة المائدة: 3

أيها المسلمون: و ثمة انحراف يوجد عند فئة من المنتسبين للدين يقولون: ما جاء في القرآن قبلناه-إذ هو كلام الله- لكنا نتوقّف عن قبول السنة- فمحمد بشر و نحن بشر؟ و تلك بليّة و ردّة..و أنّى لهؤلاء أن يهربوا من قوله تعالى { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } سورة الحشر: 7

و أنّى لهم أن يفرّوا من قوله تعالى { لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } سورة النور: 63 إن هدي محمد r و سنته لا تقبل النقص منها و لا الزيادة عليها, فمن رغب عن سنته فليس منه, كما أخبر عليه الصلاة و السلام في الحديث المتفق على صحّته. جاء رجل إلى مالك بن أنس رحمه الله فقال: من أين أحرم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله r, قال الرجل:فإن أحرمت من أبعد منه؟ قال: لا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة, قال: و أي فتنة في ازدياد الخير؟ فقال مالك: فإن الله تعالى يقول: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } سورة النور: 63

أيها المسلمون: إن الطاعة للرسول r طاعة لله, و في القرآن { َّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} سورة النساء: 80 و السنة شارحة للقرآن و مبيّنة لمجمله { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } سورة النحل: 44 إنّها حج و براهين تبطل هذه الفريّة, و أصحاب هذه الفريّة, إنما يهدفون إلى تعطيل القرآن, بل و الخروج على الإسلام, إذ كثير من أحكام الدين إنما فصّلها و أبان عنها محمد r في سنّته و سيرته. هؤلاء القرآنيّون-كما يسمون أحيانا- إنما أرادوا نقض عرى الإسلام بتجاهلهم للسنة, و هجرهم هدي محمد r. و لقد صدق في هؤلاء نبوءة محمد r و تحذيره حين قال: لا ألفينّ أحدكم على أريكته, يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري, ما وجدناه في كتاب الله اتبعنا )) حديث حسن أخرجه الشافعي في الرسالة, و أحمد في المسند, و أبو داود في السنن و غيرهم (شرح السنة للبغوي: 1/200-201)

يا إخوة الإيمان: كيف يعتبر القرآن مصدرا للتلقي من يرى أنّ القرآن ناقص, و إن عند أئمتهم أضعاف ما عندنا من القرآن؟ و كيف يعتبر السنّة مصدرا للتلقي من يسخر بالسنة و أهلها و يعتبرها رمزا للتأخر و الرجعيّة؟ كيف يعتبر القرآن و السنة مصدرين للتلقّي من يؤمن ببعضها و ينكر بعضا و الله يقول: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} سورة البقرة: 85

كيف يؤمن بالقرآن من يتجرّأ بالقول إن القرآن في أصله علمانيّ التوجّه و لكن المسلمين حرّفوه إلى وجهة دينية؟

إنها ضلالات و انحرافات خطرة..و مفاهيم و تفسيرات جائرة حائرة تنبئ عن حجم انحرافات أصحابها..

و المؤلم حين يعد أصحاب هذه النظرات و التوجهات رقما في الأمة الإسلامية.

مصيبة حين يفقه الغرب أو الشرق الكافر عن القرآن أكثر مما يفقهه عنه بعض المنتسبين للإسلام.

و مصيبة حين يعود اليهود (التوراتيون) إلى توراتهم المحرفة فيجعلونها مصدرا للتلقي..

و حين يعود النصارى (الإنجيليون) إلى أناجيلهم المحرفة و يجعلونها مصدرا للتلقي..

و ينحرف بعض المسلمين عن القرآن و هو هدي السماء و المهيمن على الكتب و الذكر الحكيم, و صدق الله {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } المائدة15-16

الخطبة الثانية

أيها المسلمون أدبنا الله و علّمنا القرآن كيف يتأدب مع رسوله r حيًّا ميتًا فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } الحجرات1- 2يقول بن كثير في مقدمة هذه السورة (الحجرات) : هذا أداب أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول r من التوقير و الاحترام و التبجيل و الإعظام...و معنى لا تقدّموا..أي لاتسرعوا في الأشياء بين يديه, بل كونوا تبعا له في جميع الأمور..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت