إنه الأمر من الله {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} سورة النساء: 82, و فضلُ الله يؤتيه من يشاء في التأثّر و الهداية بالقرآن {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء} سورة الزمر: 23 {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} سورة ص:29
و هل علمت أن من عباد الله من قام الليل بآية يُرددها و يبكي. و هل تعلم -أخي المسلم- أن أحسن الناس قراءة (للقرآن) الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله (صحيح الجامع 1/ 115) و حين سمع النبي r تلاوة سالم مولى أبي حذيفة الجاشعي قال له: الحمد لله الذي جعل في أمّتي مثلك (سير أعلام النبلاء 1/ 168)
3-إنَّ ممَّا يُعينك على التدبُّر قراءةَ تفسير الآيات و التعرّف على معاني القرآن, و ذلك أسلوب و طريقة لتعظيم القرآن, و كلما قربت من فهم القرآن كلما كان الأثر أعظم, و التعظيم أكبر, وكُتب التفسير والحمد لله تملأ المكتبات و البيوت.
4-الوقوف عند حدود القرآن, و الإلتزام بهدي القرآن و توجيهه في كل الأحوال من الغضب و الرضا و العسر و اليسر, وافق أم خالف الهوى. و كذلك كان السلف يُعظّمون القرآن و يقفون عند حدوده, و حين همّ الفاروق رضي الله عنه أن يُوقع بعيينة بن حصن لاتهامه عمر بعدم العدل في الرَعيّة, ذكّره قريبه بقوله تعالى {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} سورة الأعراف: 199 فكفّ عمر و ما جاوز الآية, و كان وقافاً عند كتاب الله (رواه البخاري, تفسير ابن كثير للأية 199 الأعراف)
ذلك طريقة من طرائق تعظيم القرآن.
5-الحكم و التحاكم للقرآن فهو فصل في الخصومات, و قاطع في الخلافات {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} سورة المائدة: 48 {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} سورة المائدة: 44 {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} سورة المائدة: 45 {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة المائدة: 47
6-و من تعظيم القرآن الإجتهاد في الوصول إلى صفات القرآن, فإذا قرأت عن المتقين فقل لنفسك متى أكون من المتقين, و إذا قرأت عن المحسنين فقل لها متى و كيف أكون من المحسنين, و هكذا المتوكّلين, و الصادقين, و الصابرين و نحوها من صفات و خلال كريمة جاء القرآن مبيّنا لها و داعيا إليها..فالقرآن هدى و شفاء و موعظة و ذكرى..
و العكس بالعكس فإذا قرأت عن صفات المنافقين أو المفسدين او الفجَّار والمتكبّرين و الكاذبين فانظر كيف تحذر هذه و تلك و كيف تعالج نفسك من هذه الأدواء المهلكة التي حذّر القرآن منها..ذلك ذكرى للذاكرين
7-أيها المسلمون: و من سبل تعظيم القرآن الإنتصار للقرآن وردّ شُبُهات المعرضين, و هل تعلمون أن حملات التشويه للقرآن لم تتوقّف منذ عارضه كفّار قريش إلى يومنا هذا, و لئن تكفَّل الله بحفظ كتابه فإن على المسلمين واجب البلاغ و كشف الشبهات..و إذا كنّا نعلم جميعا الحملات الصليبية التي قادها الغرب النصراني طيلة قرنين من الزمان فيما عرف (بالحروب الصليبية) فالقِلَّة من المسلمين من يعلم أن ثمة حملات صليبية استهدفت القرآن بالتشويه و التشكيك, و قد جاءت هذه الحملة التنصيرية ضد القرآن تعويضاً عن الفشل الذي لحق بالصليبيين في محاولاتهم للقضاء على الإسلام و إنهاء المسلمين. أجل لقد شعل العالم الغربي النصراني -منذ الحروب الصليبية) بالقرآن الكريم ترجمة و تفسيراً و دراسات قرآنية.. و كان السؤال المهم لماذا عُني الغرب النصراني بالقرآن و ترجمته و دراسته؟ هل المنطلق علميّ؟ و هل الهدف سام, و إذا كانت ترجمات القرآن في احضان الكنيسة بلغت (مايريو عن الستمائة و الخمسين ترجمة للقرآن الكريم, و في إحدى و عشرين لغة أوروبية) كما يقول الباحثون في هذا الميدان (د. عبد الراضي محمد عبد المحسن: ماذا يريد الغرب من القرآن /ص 17, من مطبوعات لبيان 1427هـ)
فما الهدف من ذلك؟ يجيب أحد الغربيين (يوهان فوك) بكل صراحة و يقول: لقد كانت فكرة التبشير هي الدافع الحقيقي خلف انشغال الكنيسة بترجمة القرآن و اللغة العربيّة, و كلما تلاشى الأمل في تحقيق نصر نهائي بقوة السلاح بدا واضحا أن اجتلال البقاع المقدسة لم يؤدّ إلى ثني المسلمين عن دينهم بقدر ما أدى إلى عكس ذلك, و هو تأثر المقاتلين الصليبيين بحضارة المسلمين و تقاليدهم و معيشتهم في حلبات الفكر..ثم يتحدّث هذا الألماني الغربي عن أول تجربة غربية لترجمة القرآن قام بها (بطرس المبجل) عام 1143م, و كان رئيسا لأحد الأديرة, و في زيارته لأسبانيا و اطلاعه على الحرب الدائرة بين المسلمين و الأسبان, و محاولات المسلمين استرداد بيت المقدس..كل ذلك أوصل هذا البطرس النصراني المتعصّب إلى قناعة بأن لا سبيل إلى مكافحة (هرطقة محمد) على حدّ تعبيره- بعنف السلاح الأعمى, و إنما بقوة الكلمة و دحضها بروح المنطق الحكيم للمحية المسيحية, ثم قال: لكن تحقيق هذا المطلب كان يشترط المعرفة المتعمّقة برأي الخصم أوّلا, و هكذا وضع خطة للعمل على ترجمة القرآن إلى اللاتينة.
و هكذا نشات ظروف الإلتفات الغربيّ للقرآن في بيئة الكنيسة, و الهدف محاربة الإسلام و تشويه القرآن..و يأبى الله إلّا أن يتمّ نوره..فرغم حركة المستشرقين و نشاطهم العلمي, و رغم جهود المنصّرين و نشاطهم و دعمهم للدعوة إلاَّ أنَّ محاولاتهم باءت بالفشل, و بات الإنبعاث الإسلامي في كلّ مكان و في كلّ زمان يُدلل على خيبة أمل الصليبيين..بل ربما انقلب السحر على الساحر, فآمن من هؤلاء من كان قصده في البداية الدعوة للنصرانية, كما آمن من قبل سحرة فرعون و قالوا لفرعون بكل صراحة {آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ} سورة الأعراف:121 و قالوا {اقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} سورة طه: 72
أجل لقد قالها (جورج سال) بكل صراحة كذلك: إنَّ الهدف من ترجمة القرآن هو تسليح النصارى البروتستانت في حربهم التنصيرية ضد الإسلام و المسلمين.. (ماذا يريد الغرب/ 39)
و لذا جاءت ترجمات الغرب للقرآن مشوهة و عدائية يتضح ذلك من عناوينها فضلاً عن مضامينها..لكنها عباءات مخرقة تحاول حجب نور الشمس, أو كناطح صخر ليوهنها, فلم يضرها و أوهى قرنه الوعل, و الله لا يهدي كيد الخائنين ولا يصلح عمل المفسدين..
الخطبة الثانية