فهرس الكتاب

الصفحة 9964 من 9994

أيها الأحباب الكرام: إن مكمن الخطورة في فتاوي عصرنا المنحرفة والمضللة إنها سرعان ما تنتشر وسرعان ما يعرفها ملايين من البشر بواسطة وسائل الإعلام الحديثة المسموعة والمرئية والمقروءة .

وإن مكمن الخطر كذلك ، وإن مصيبة المصائب أن الذين يتحكمون في أنظمة الفكر في بلادنا ، وأن الذين يسيطرون على عقول الناس بما يملون عليهم من آراء وأفكار هذا الصنف من الناس عادة ما يحاط بهالة من الدعاية تستر كذبه وتستر جهله وتغطي حقده الدفين على هذا الإسلام وعلى هذا الدين .

وعادة ما يحاط هؤلاء بهالة عجيبة من الدعاية والإعلان ليلوي هؤلاء الناس أعناق الناس إليهم ، وليلفت هؤلاء الناس أسماع الناس إليهم ، فيرضخوا لفتاويهم ويرضخوا لكلماتهم ، ويأبى الله جل وعلا إلا أن يقيض لهذا الدين من يحذر الناس من فتاوى هؤلاء ومن دعاوى هؤلاء .

اعلموا أيها الناس بأن هذه الهالة وبأن هذه الدعوات وبأن هذا الإعلان لا يقرب هؤلاء - أي أصحاب الفكر - من قلوب الناس ، ولا يجعل من جهلهم علما ولا يجعل من بعدهم عن قلوب الناس قربا ، مثلهم كمثل الطبل الأجوف يسمع صوته من بعيد وباطنه من الخيرات خال .

نعم ، إنني أقدم بهذه المقدمة الطويلة لماذا ؟

لأنه مما يمزق الضمائر الحية أن ينبري أعداء ديننا في هذه الأيام وعبيد الفكر الغربي لحرب هذا الإسلام ، حرباً صريحاً وحرباً هوجاء ، وأرى أن أعداء هذا الفكر - أي الفكر الإسلامي - وأنصار هذا الفكر - أي الفكر الغربي - راحوا ينفثون سمومهم على صفحات الجرائد وعبر شاشات التليفزيون ، وعبر الإذاعات المسموعة في كل زمان وفي كل مكان يريدون إسلاما على أمزجتهم ، يريدون إسلاماً خاصاً بأهوائهم ، يريدون إسلاماً خاصاً بما يمليه عليهم قادة الغرب من المستشرقين ومن المبشرين ومن الشيوعيين ومن العلمانيين

فتارة يقولون: إننا لا نأخذ بآراء الفقهاء ، ولا بآراء المفسرين ، ولا بآراء العلماء لا نأخذ إلا بالوحي من القرآن والسنة ، فإن وافقتهم جدلا على ذلك إن وافقتهم أن يتركوا آراء الفقهاء وآراء العلماء وآراء المفسرين ويأخذوا بالقرآن والسنة بعد فترة يقولون لك: إننا لا نأخذ بالسنة بكاملها ، لأن في السنة ما هو ضعيف ، لأن في السنة ما هو مردود لأن في السنة ما هو موضوع ، ولا نأخذ إلا بالقرآن الكريم فإذا ما ضيعوا السنة ولم يبق أمامهم إلا القرآن . قالوا لك بعد ذلك: إن القرآن قد نزل ليعالج أوضاع البيئة العربية في أرض الجزيرة ولذا فإنه ينبغي أن نأخذ من القرآن ما يتفق مع روح عصرنا وما يتمشى مع روح التطور والتحرر .

أضاعوا آراء الفقهاء وأضاعوا السنة ، وفي النهاية قالوا: لابد أن نأخذ من القرآن ما يتفق مع روح عصرنا ومع روح مدنيتنا ، وتطورنا آمنوا ببعض الكتاب وكفروا بالبعض الآخر .

فإن قلت لهم: إن القرآن الكريم يقول: إن الخنزير رجس لقد وصف القرآن الكريم لحم الخنزير بأنه رجس لقالوا لك: لقد وصف القرآن الكريم هذه الخنازير ، ولحوم الخنازير بأنها رجس ، لأن وصفه كان لخنازير في العصور المتخلفة ، كانت خنازير سيئة التغذية ، أما خنازير اليوم - وما أكثرها - فإنها خنازير متطورة فإنها خنازير متحضرة ، فإنها خنازير ليست بخنازير متخلفة ، كخنازير العصور الماضية .

وإن قلت لهم: إن القرآن الذي تؤمنون به يقول: ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) (النساء/11) في الميراث يقولون لك: لقد قال القرآن ذلك في عصور ماضية قبل أن تخرج المرأة بميدان العمل ، أما يوم أن خرجت المرأة لميدان العمل ، فأصبحت مساوية للرجل في كل شيء وهكذا ، إنها نار الشهوات وفتن الشبهات .

وأنا كما قلت: أقدم بهذه المقدمة الطويلة لهذه الشهوات والشبهات ، التي يحارب بها إسلامنا وديننا في هذه الأيام ، لأنه كاد قلبي ينخلع وكاد عقلي يطير لما قرأته على صفحات جريدة إسلامية ، ولا أقول على صفحات جريدة شيوعية ، أو علمانية أو ماركسية ، وإنما أقول: على صفحات جريدة إسلامية ، بعنوان"تذكير الأصحاب بتحريم النقاب"أسمعتم ؟ أرأيتم ؟ على صفحات جريدة إسلامية عنوان ضخم يقول:"تذكير الأصحاب بتحريم النقاب"

إلى هذا الحد يحارب الإسلام ! إلى هذا الحد يحارب الإلتزام ! إلى هذا الحد يحارب الاحتشام ! ، أنا لا أدري ، لا أدري لماذا يثير النقاب هذه البغضاء في قلوب هؤلاء ؟ والله لا أدري ، فمنهم من يصف النقاب بأنه خيمة ، ومنهم من يصف المنتقبات بأنهن متأخرات ومتخلفات ورجعيات ومتحجرات .

لا أدري لماذا كل هذه الحرب الشعواء ، لماذا كل هذه الحرب الهوجاء على النقاب؟ لماذا لم تكن هذه الحرب على السفور ؟ لماذا لم تكن هذه الحرب على العري والتبرج ؟ لماذا لم تكن هذه الحرب على الاختلاط السافر ؟

لماذا لماذا ؟ لماذا لم تكن هذه الحرب على المتبرجات الكاسيات العاريات المائلات المميلات اللائي تفتح لهن الأبواب ، وتيسر لهن الأسباب ، وتذلل لهن الصعاب وينلن كل الرضا وكل الاحترام ، وكل التقدير من هؤلاء ، من أصحاب الشهوات من أصحاب القلوب المريضة ؟!

أما المنتقبات ، أما العفيفات ، أما الطاهرات ، أما المتوضئات ، فإن الحرب تصب على رؤوسهن صباً ، لا تفتح لهن الأبواب ، لا تفتح لهن أبواب الجامعات لا تفتح لهن أبواب المدارس ، لا تفتح لهن أبواب الوزارات ، أو أبواب الأعمال لا تفتح لهن الأبواب ، ولا تذلل لهن الصعاب ، ولا تيسر لهن الأسباب ، ويصب هؤلاء الحاقدين على رؤوسهن الحرب صباً . لماذا كل ذلك ؟ لماذا هذه الحرب الشعواء على النقاب وعلى الإسلام وعلى الإخوة الذين توضؤوا لله جل وعلا ، والذين سجدوا لله عز وجل ، والذين رفعوا شعار لا إله إلا الله لماذا ؟

إنني أتعجب ، والله إنني لأتألم من هذه الحرب ، ولكنني أتعجب ويزداد عجبي أن تكون هذه الحرب على النقاب ، ليس من أعداء الإسلام ، وإنما ممن ينتسبون ظلما وزورا إلى الإسلام إلى هذا الحد تحارب المنتقبة من المسلمين ؟ تحارب المنتقبة ممن يتسمون بسمة أهل العلم والدين إلى هذا الحد ؟ إنا لله وإنا له راجعون ، إنا لله وإنا إليه راجعون .

ولكنني أقول: أيتها الأخت المنتقبة ، اصبري يا أختاه اصبري يا أختاه واعلمي علم اليقين أن النبي قال في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام مسلم ، والذي خرجه غيره من أهل السنن وأهل المسانيد أن النبي قال من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء".

وفي رواية للإمام أحمد قيل: من الغرباء يا رسول الله ؟ قال:"الذين يصلحون إذا فسد الناس" (1)

الغرباء الذين يصلحون إذا ما فسد الناس . الذين يتمسكون بالقرآن ويتمسكون بهدي النبي في وقت قل فيه التمسك بالقرآن في وقت قل فيه التمسك بسنة النبي

وفي الحديث الصحيح أيضا الذي أخرجه الإمام الترمذي بسند صحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي قال:"سيأتي على الناس زمان الصابر فيه علي دينه كالقابض على الجمر" (2)

وهذا هو زماننا ، وهذه هي أيامنا فمن صبر في هذه الأيام ، ومن صبر في هذا الزمان على دينه كمن قبض على جمر بين يديه .

فاصبري يا أختاه واصبروا أيها الأخوة اصبروا أيها الشباب ، اصبروا أيها المسلمون فإن الله جل وعلا قال: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً(5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح/5-6)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت