المؤمنين حفصة - رضي الله عنها - أن النبي قال:"سيعوذ بهذا البيت قوم من أمتي ليست لهم عدة ولا عدد ولا منعه مستضعفون ليست لهم عدة ولا عدد ولا منعة يبعث إليهم جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم" (2) وفي لفظ في صحيح مسلم:"ولا يبقى منهم إلا الشريد الذي يخبر عنهم" (3)
هذه العلامة إن ظهر المهدي في بيت الله الحرام ويبايعه مجموعة من المسلمين لا عدد لهم ولا عدة ولا سلاح إنهم مستضعفون يخرج للمهدي جيش لقتاله والقضاء عليه فينصر الله المهدي نصرا قدريا غيبيا يخسف الله بهذا الجيش الأرض ، ولا ينجو من هذا الجيش إلا الشريد إلا الرجل أو الرجلان .
إذا ظهرت هذه العلامة عرف المسلمون جميعاً على ظهر الأرض أن الرجل العائذ بالبيت هو المهدي عليه السلام ، وينتشر الخبر بسرعة مذهلة في الأرض كلها فلا يبقى مسلم قادر يستطيع أن يرحل من بلده أيا كان إلى البيت الحرام إلا وسافر حتى يرزقه الله الشهادة أو يرزق الله الأمة النصر . نسأل الله أن يرزق الأمة النصر ، وأن يكتب لنا الشهادة إنه ولي ذلك ومولاه .
وهنا يعلن العالم كله الحرب على المهدي عليه السلام لكن الله جل جلاله ينصر المهدي بقدرته وأمره سبحانه في جميع معاركه التي سيخوضها .
استمع وتدبر هذه البشائر النبوية ، ففي صحيح مسلم من حديث نافع بن عتبة - رضي الله عنه - أن النبي قال:"تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله"ولاحظ أن الذي سيفتح هنا هو الله"تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله ثم تغزون فارس فيفتحها الله ثم تغزون الروم فيفتحها الله"- اللهم عجل بفتحك يارب - ثم تغزون الروم فيفتحها الله ثم تغزون الدجال فيفتحه الله" (1) "
فمن المعلوم أن عيسى ابن مريم كما في صحيح مسلم ، حدد الصادق الذي لا ينطق عن الهوى مكان نزوله في الأرض ، بل حدد الصادق الثوب الذي سينزل به عيسى من السماء . قال:"ينزل عيسى ابن مريم بين مهرودتين - أي بين ثوبين ممصرين يميل لون الثوبين إلى الصفرة - ينزل عيسى ابن مريم بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين تقطر لحيته كأنه يتوضأ ومازال الماء يقطر من لحيته ينزل عند المنارة البيضاء شرق دمشق" (2) .
صلى الله على الصادق ثم يتجه بعد ذلك عيسى إلى بيت المقدس فيرى المسلمين يصلون وإمامهم المهدي كما بينت الأحاديث الماضية ، فيريد المهدي أن يتأخر ليقدم عيسى ابن مريم ليصلى بالمسلمين ، لأنه نبي فيرفض عيسى عليه السلام ويدفع المهدي بين كتفيه ، ويأمره أن يصلى بالمسلمين ويكون إمامكم منكم تكرمة الله لأمة محمد ، ويصلى عيسى خلف المهدي على شريعة الحبيب النبي ' فعيسى ينزل ليقتل الخنزير ، وليحطم الصليب ، وليفرض الجزية ، وليدعوا الناس جميعا في الأرض كلها إلى توحيد الله الواحد الأحد بلا منازع ولا شريك ، فهذه أولى كلماته في المهد قال: ( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً(30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (31) وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) (مريم/30-36) ينزل عيسى وينتقل مع المهدي لقتال الدجال ، فإذا رأى الدجال عيسى ابن مريم يذوب كما يذوب الملح في الماء فيقتل عيسى الدجال وهو في طريق عودته يخبره الله جل وعلا أنه قد أخرج يأجوج ومأجوج فيقول له: إني أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم _ أي لا قدرة لأحد على قتالهم _ فحذر عبادي إلى الطور .
فيلجأ نبي الله عيسى والمؤمنون معه إلى الطور في سيناء ، ويخرج يأجوج ومأجوج فلا يجدون أحداً من أهل الأرض يعترض سبيلهم فيفتنون فتنة عمياء فيقولون قولتهم الخبيثة: قهرنا أهل الأرض فلنقهر أو فلنعلو أهل السماء ، فيصوبون رماحهم إلى السماء فتزداد فتنتهم حينما يرد الله إليهم الرماح وقد خضبت بالدماء فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ، فيضرع عيسى إلى الله جل وعلا أن يخلص الأرض من شرورهم فيرسل الله عليهم النغف . ما النغف ؟ النغف دودة صغيرة حقيرة تخرج في أنف البعير - الجمل - هؤلاء الذين يقولون: قهروا أهل الأرض وعلوا أهل السماء يرسل الله عليهم النغف فيهلكون ويقتلون كوت نفس واحدة فتمتلئ الأرض بزهمهم ونتنهم .
فيضرع عيسى إلى الله يطهر الأرض ، فيرسل الله على الأرض طيرا كأعناق البخت - والبخت هي الجمال الخرسانية الضخمة في أرض الجزيرة - يرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحمل هذه الجثث العفنة إلى حيث شاء الله وقدر ، ثم يرسل الله مطرا على الأرض فيصهر الأرض فتصبح الأرض بعد ذلك كالزلقة أو كالمرآة ، وينزل الله البركة وتعيش البشرية في هذه الفترة فترة لم تنعم بها من قبل حتى تمنى نبينا العيش في هذه الأيام فقال:"طوبى لعيش بعد المسيح"فالرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم يقول:"تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله ، ثم تغزون فارس فيفتحها الله ثم تغزون الروم فيفتحها الله ، ثم تغزون الروم فيفتحها الله ، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله"وذلك في عهد عيسى والمهدي عليهما السلام.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي قال - ولاحظ أنني لا أتكلم بشيء من عندي بل إن كل ما تكلمت به حتى هذه اللحظة هو كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة:"لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق" (1)
والأعماق أو دابق مكان بين سوريا وبين أنطاكية في منطقة بلاد الشام . وها نحن نرى ولأول مرة في التاريخ الحديث والقديم نرى جحافل الروم تنزل بهذه الأعداد الغفيرة التي لا مثيل لها في التاريخ كله تنزل إلى الأعماق إلى قلب بلاد الشام وستتوالى الأحداث تباعاً ، ستتوالى الأحداث تباعاً ، لأن الذي يهيئ الكون كله هو الله جل جلاله ليقع فيه ما أخبر عنه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ، إذ أنه لا يتكلم إلا بوحي من الله ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى(1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) (النجم/1-5) .
قال من لا ينطق عن الهوى:"لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من أهل المدينة من خير أهل الأرض يومئذ - أو هم خير أهل الأرض يومئذ - فإذا تصافوا للقتال قال الروم للمسلمين: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلى بينكم وبين إخواننا"قال الصادق:"فيقتتلون فينهزم ثلث من المسلمين لا يتوب الله عليهم أبدا ، لأنهم ارتدوا - كما في رواية مسلم التي سأذكرها الآن أيضا - فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله ويفتح الثلث الأخير" (1)