حالة ثالثة مروعة: والد تزوج ورزقه الله بالأولاد ، وأراد أن يتزوج مرة ثانية ، ولكنه خاف من امرأته ، وخاف من المجتمع الذي أصبح ينظر إلي تعدد الزوجات على أنه فضيحة و جريمة - فتزوج في السر ، وتمضي السنوات والأيام ، ويقدر الله أن يدخل ولده من امرأته الأولى الجامعة وأن تدخل ابنته من امرأته الثانية الجامعة ويقدر الله أن يحب كل منهما الآخر ويقررا الزواج العرفي ، والعجيب أنهما وهما يوقعان العقد وجدا تطابقاً كاملاً في الأسمين فقال الفتى للفتاة: أنظري إلي هذا الذوبان وهذا الحب حتى وصل التطابق في الأسمين إلي هذا حد التكامل ، ولما أحست البنت بالحمل في أحشائها أسرعت إليه بالتوسل أن يأتي إلي بيتها ليطلبها رسمياً ، وليتزوجها زواجاً شرعياً صحيحاً وحددت له موعداً ليكون الوالد في البيت وذهب إلي هنالك وكانت المفاجأة من يفتح له الباب ؟ إنه أبوه .. ما الذي جاء به إلي هنا ؟ هل رتبت الفتاة مع الفتى ذلك ؟ لا ، ولكن لما عرف الفتى الحقيقة ألقى بنفسه من الطابق العلوي منتحراً ، وسقط الوالد على الأرض وقد أصيب بأزمة قلبية ، فلما علمت الفتاة أصيبت بحالة فقدت فيها الوعي والنطق .
ثمرة مُرَّةٌ للإعراض عن شرع الله: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه: 123- 127] .
وأخيراً: ما هي الأسباب لهذه الظاهرة وما هو العلاج ؟!!.
وهذا هو عنصرنا الرابع .. هذه هي الأسباب .. و هذا هو العلاج:
السبب الأول: البعد عن الله عز وجل ، هو أخطر الأسباب ، فالبعيد عن الله ضعيف الإيمان ، يصبح فريسة سهلة للهوى وللشيطان ، والنفس الأمارة بالسوء ، تتحكم فيه صحبة السوء ، ونفسه ، وهواه وشيطانه .
وإن أردتم الدليل العملي على صدق قولي: انظروا نظرة سريعة إلي هؤلاء وهؤلاء .. إلي شباب ضائع ، وإلي شباب طائع يعيشون في بيئة واحدة في كلية واحدة .. في جامعة واحدة ، يتعرضون لنفس الفتن ونفس المؤثرات ، انظروا إلي هذا الفتى وذاك الفتى ، شتان .. شتان بين شاب يقيم الليل يتضرع إلي الله جل وعلا ، ويحضر مجالس العلم والعلماء ، ويحافظ على الصلوات في جماعة ، ويقرأ القرآن ، ويصلي الفجر ، ويقرأ ورده اليومي ويقول أذكار الصباح يأخذ كتاب الله بين كتبه الدراسيه وينطلق إلي الجامعة ويحمل هموم أسرته ودعوته ، وأمته شتان .. شتان بين هذا الشاب المبارك وبين شاب لم يسمع القرآن ، ولم يعرف قلبه حلاوة الإيمان ، ولم يعرف مجالس العلم ولم يذهب إلي المسجد قط ، ولا يفارق سمعه الغناء الماجن ، والموسيقى الصاخبة ، ولا يتورع أن يخلو هنا وهناك في زوايا وثنايا الجامعة بفتاة متبرجة عارية شتان شتان بين هذا وذاك .
والعلاج يكمن في العودة إلي الله تبارك و تعالى ، فبالعودة إلي الله الذي وعد من جاهد نفسه فيه أعانه الله قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] .
وقال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجا ً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب [الطلاق: 2-3] .
وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه ُ .
وفي الحديث الذي رواه الحاكم وأبو نعيم وغيرهما بسند صحيح بالشواهد من حديث ابن مسعود أن النبي قال: (( إِنَّ رُوحَ القُدْسِ نَفَثَ فِى روعِى أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَرِزْقَهَا فَاتّقُوا الله وَأجْمِلُوا فِى الطَّلَبِ ، وَلاَ يَحْملَنَّ أَحَدَكُمْ أسْتِبْطَاءَ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ يَطْلُبَهُ بِمعْصِيَةِ الله فَإِنَّ مَا عِنْدَ الله لاَ ينَالُ إِلاِّ بِطَاعَتِهِ ) ) (1) .
السبب الثاني: غياب الأسرة .
غابت الأسرة .. و أنعدمت الرقابة !! بدعوى مشؤمة مزعومة ألا وهي دعوى الحرية التي يقلد فيها كثير من المسلمين الغرب الكفار التي تصطدم عقيدته بعقيدتنا اصطداماً مباشراً و تصطدم أخلاقياتنا و أخلاق المجتمع الإسلامي اصطداماً مباشراً ، يقلد الكثير من الآباء الغرب فيقول: أنا رجل ديمقراطي أود أن أؤصل ، وأسس الديمقراطية في بيتي !! أنا رجل أحب الحرية فلتخرج الفتاة في أي وقت تشاء ، وبأي لبس ، وبأي مظهر ،
وتتكلم في التليفون في أي وقت وفي أي ساعة !! أنا لا أشك في أخلاقها ، أنا أثق فيها ثقة عمياء !! هذا كلام باطل ليس في دين الله عز وجل- هذا إن كنت غربياً لا تعرف قرآن ولا سنة- ولا يحل لأبنتك أن تتكلم مع أي أحد في أي وقت ، ولايجوز إلي أبنتك أن تخرج إلي الجامعة (( بالاسترتش ) )أو بالثوب العاري أو الضيق ، لا يجوز لها أن تتكلم بالساعات الطويلة مع زميل لها في الجامعة ، أين الإيمان و أين الإسلام ؟ بل وأين الرجال يا مسلمون ؟! ألم يفكر الوالد وألم يسأل نفسه في ساعة من الساعات مع من تتكلم
البنت في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟!! مع من تهمس ؟!!
ألم يسأل الوالد نفسه كيف خرجت البنت إلي الجامعة بهذا الثوب ؟! بالاسترتش أو الثوب الضيق العاري ، بالرائحة الأخاذة التي تعصف بالأنوف ؟!! ألم يسأل الوالد نفسه ؟ ألم تسأل الأم كيف خرجت البنت بهذا الزي ؟ ألم تفكر في السؤال عن صواحبها مع من تخرج ؟ مع من تتكلم ؟ أين الرقابة ؟! أين الوالد ؟! أين الأم ؟! والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً .
فالعلاج يكمن في إيجاز في العودة إلي شرع الله ، في العودة إلي قرآن الله وإلي سنة رسول الله ، يا مسلمون نحن لا نتلقى تشريعنا عن الشرق الملحد ولا عن الغرب الكافر ، بل عن الله جل وعلا وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: فحدد الآن جواباً على هذا السؤال . لمن تسمع ؟ لمن تذعن ؟ ومن تطيع ؟ هل تسمع لله ورسوله أم لشرق ملحد وغرب كافر ؟ أم لأولئك الذين يعزفون على وتر الغرب ؟! وعلى وتر التمجيد والتقديس للغرب ؟!!
ووالله ما أصيبت الأمة بالذل ، والذلة ، والهوان إلا يوم أن تركت كتاب ربها وسنة نبيها وراحت لتذوب في بوتقة الغرب .. تلك البوتقة التي تصطدم اصطداماً مباشراً مع عقيدتنا وأخلاقنا وديننا .
أيها المسلمون: إن العلاج يكمن في العودة إلي الشرع المطهر إلي القرآن وإلي السنة الصحيحة وتَذَكَّر أيها الوالد ، وتذكري أيتها الأم كلام النبي كما في الصحيحين ، من حديث ابن عمر: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِىْ أَهْلهِِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالَمرْأَةُ رَاعيَةٌ وَمَسْئُولٌةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ) ) (1) ورب الكعبه ستسأل عن أبنتك هذه بين يدي الله ، وستسألين أيتها الأم عن أبنتك بين يدي الله ، وأذكر بحديث للنبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث معقل بن يسار أنه قال: (( مًا مِنْ عَبْد أسْتَرْعَاهُ اللُه رَعِيَّةً ، يَمُوتُ يَوْمَ وَهُوَ غَاشٌ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللُّه عَلَيْهِ الَجَّنةَ ) ) (2) . و أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم .
: الخطبة الثانية