قال تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً.. [النساء: 4] ، فالمهر واجب على الرجل وهو حق كامل للمرأة ، ولقد أمر الإسلام بتخفيف المهر وتيسيره كما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: جاءت امرأة إلي رسول الله فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي ، فصعَّد النظر فيها وصوَّبه ثم طأطأ رسول الله رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً فجلست.
وهنا أريد أن أوضح أمراً أنه لا يجوز للمرأة أن تهب نفسها لإحد من الرجال فهذا الأمر خاص بالنبي قال تعالى: خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ هذا أمر كان لابد من التنبيه عليه .
ونعود إلي حديث سهل قال: فقام رجل من أصحابه ، فقال يا رسول الله ! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ، فقال: (( فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ ) )فقال: لا والله ! يا رسول الله ، فقال (( اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئاً ؟ ) )فذهب ثم رجع ، فقال: لا والله ! ما وجدت شيئاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ) )فذهب ثم رجع ، فقال: لا والله ! يا رسول الله ولا خاتماً من حديد ، ولكن هذا إزاري (قال سهل: ما له من رداء ) فلها نصفه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَا تَصْنَع بِإزَارِكَ ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ ) )فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه رسول الله مُولياً ، فأمر به فدعي ، فلما جاء قال: (( مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ؟ ) )قال: معي سورة كذا وسورة كذا (عدَّدها) فقال: (( تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْر قَلْبِكَ ) )قال: نعم . قال: (( اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ) ) (1) .
فالإسلام أوجب المهر ، لكنه أمر بتخفيفه ، و قد أجمع العلماء على أنه لا حد لكثيره.
الشرط الرابع من شروط صحة العقد: الشهود .
قال النبي كما في الحديث الصحيح الذي رواه البيهقي ، والطبراني ، والدارقطني من حديث عائشة: (( لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ ) )، وفي حديث عمران بن الحصين الذي صححه الألباني في إرواء الغليل بشواهده أن النبي قال: (( لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَي عَدْلٍ ) ) (2) ولقد أتفق علماء الأصول على شروط العدالة وهي: الإسلام ، والبلوغ ، والعقل ، وعدم الفسق . هذه شروط مجمع عليها بين علماء الأصول في الشاهد العادل ، ووالله و أنا على منبر النبي لقد أرسلت إليّ فتاة جامعية رسالة كتبتها بدموع الندم - يوم لا ينفع الندم - تخبرني فيها بأنها قد تزوجت زواجاً عرفياً باطلاً بزميل لها في الجامعة ، وفي يوم من الأيام شعرت بالحمل يتحرك في أحشائها ، فأسرعت إليه لتتوسل بين يديه أن يأتي إلي أهلها ليتزوجها زواجاً شرعياً صحيحاً . تقسم لي بالله أن الشاب أخرج ورقة الزواج العرفي الباطل ومزقها أمام عينيها وبين يديها وقال لها: من يدريني أنه ولدي ؟!
يتنكر الشاب للفتاة ويمزق الورقة بين يديها لينطلق يبحث عن فريسة غبية أخرى ، هذا هو الواقع تقول لي الفتاة: أن شاباً من الشابين الذين شهدا على ورقة العقد العرفي الباطل لما علم بلك ذهب إليها وطلب أن يزني بها !! فلما رفضت هددها أن يفضح أمرها في الجامعة وبين أسرتها ، فهي تسألني و تقول هل تمكنه من أن يزني بها حتى لا تفضح نفسها في الجامعة أو بين أهلها ؟! هذا شاهد من أولئك الشهود الذين يشهدون الآن على وثيقة عقد الزواج العرفي الباطل المشئوم المزعوم .
هل يقول مسلم بعد ذلك أيها الأحبة بأن هذا الزواج السري الباطل يمت إلي لفظ الزواج أو إلي لفظ العرف بصلة من قريب أو من بعيد ؟! لا .. و رب الكعبة . العبرة بالمسميات والحقائق لا بالأسماء ، فلو سميت الخمر بالشمبانيا ، و الوسكي والبارندي ، والمشروبات الروحية ، فالمسمى واحد وهو الخمر الحرام ، ولو سمي الربا بالفائدة والعائد أو غير ذلك فهذا لن يخرج الربا عن كونه ربا حرمه الله ، وأنا أقسم بالله أن أى مسلم على وجه الأرض لا يرضى ولا يقبل هذه العلاقة ولا يقبل هذا الزواج العرفي الباطل لأمه، أو لأخته ، أو لعمته ، أو لخالته ، أو لأبنته ، أو حتى لأبنه لأنه خروج عن الدين والأخلاق والفطرة السليمة السوية النقية ، والواقع الآن يؤكد أن المأساة مروعة ، وهذا هو عنصرنا الثالث بإيجاز .
ثالثاً: الضحايا يعترفون .. والمأساة مروعة !!
فأكتفي بثلاث حالات فقط و إلا و الله عندي الكثير .
الأولى لفتاة تقول: شكلت أنا و زميلي ثنائي عاطفي كان محل أنظار الجميع - وكأن الجامعة في بلدنا الآن تحولت إلي واحات فيحاء للحب والعشق و الغرام - تقول: قررنا الزواج عرفياً حتى نضع الأسرتين أمام الأمر الواقع !! ولو صدقت الفتاة الجريئة هذه لقالت وقررنا أن نضع رؤوس الأسرتين في الوحل والطين والتراب ، وإلا فإن الفتاة تتوهم وتعتقد أنها متزوجة في الحلال الطيب ، فأنا أسألها أيضاً ، وأرجو أن تصدق في الجواب لماذا أخفت هذا الزواج عن والدها وأمها ؟! هذه الأم المسكينة التي لازالت تتضرع إلي الله أن يرزقها بالزوج الصالح ، وفهي لا تدري أن أبنتها متزوجة ، أمر عجيب ، ثم هل يعقل أن فتاة طاهرة ، شريفة ، تربت في بيت طهر وشرف وعفة ، دون أن يعلم هذا البيت الشرف الطاهر عن زيجتها شيئاً ؟!
تقول: قررنا الزواج عرفياً حتى نضع الأسرتين أمام الأمر الواقع ، فلما علمنا بخبر نجاحنا اتصلت أنا وهو على الأسرتين لنبلغ الأسرتين معاً بخبر النجاح ثم بخبر الزواج ، تقول: و أعطيت الهاتف - أي سماعة التليفون - لهذا الشاب الذي تزوجها بالعقد العرفي ليخبر أمها بخبر زواجهما ، والأم لا تعلم ولا يعلم الوالد عن ذلك شيئاً . تقول الفتاة: فلما أخبرها الخبر صرخت الأم صرخة أنا سمعتها و أنا أقف بجواره في سماعة التليفون ، ووقعت الأم المسكينة على الأرض ، ثم أسرع الوالد إلي امرأته التي سقطت ما الخبر ؟ هل ماتت أبنته ؟ فقالت: ليتها ماتت ، لقد تزوجت ابنتك ، فلما علم الوالد المسكين ذلك سقط هو الآخر على الأرض ونقل إلي المستشفى ، وفي غرفة العناية المركزة خرج الطبيب ليخبرهم بأن الوالد أصيب بجلطة في المخ أدت إلي شلل نصفي .
حالة ثانية: نُشرت تحت عنوان (الطيار قاتل زوجته المضيفة يعترف) تزوج طيار بزميلة له مضيفة في الطيران ، وهو متزوج وخاف أن يعلن عن زواجه ، تزوج بها في السر بعقد عرفي باطل دون علم والدها وأهلها ، فلما حملت هذه البنت أرادت أن تعلن زواجها وأن تفرح به في المجتمع ، فأنكر ورفض هذا الطيار ذلك ، فلما أصرت قتلها بالسكين في شقتها ثم أحرق جثتها حتى تضيع علامات و أدلة الجريمة .