فهرس الكتاب

الصفحة 9891 من 9994

وانطلقت مكة على قلب رجل واحد لتصب البلاء والإيذاء صباً على رأس المصطفى صلى الله عليه وسلم ففى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود: أن النبي كان يصلى عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس إذ قال بعضهم لبعض: آيكم يجئ بسَلَي جذور بنى فلان (وهى الجلدة التى يكون فيها الولد يقال لها ذلك من البهائم) فيضعه على ظهر محمد إذا سجد ، فانبعث أشقى القوم فجاء به ، فنظر حتى سجد النبى صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه وأنا أنظر لا أغنى شيئاً لو كانت لي منعه ، قال: فجعلوا يضحكون ويميل بعضهم على بعض ، ورسول الله ساجد لا يرفع رأسه ، حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره ، فرفع رأسه ثم قال: (( اللهم عليك بقريش ) ) (1) .

وورد في صحيح البخاري أن عقبة بن أبى معيط قد انطلق إلى النبي وهو يصلى في حجر الكعبة فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً حتى كادت أنفاس المصطفى صلى الله عليه وسلم أن تخرج بين يديه فجاء الصديق ليدفع هذا الفاجر الكافر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول (2)

أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ [غافر:28]

أحبتي في الله:

رأى النبي أن أرض مكة صلدة قاسية لا تقبل بذرة التوحيد فانطلق الحبيب إلى الطائف يبحث عن قلوب حانية لعلها تحمل هذا النور لا إلى أهل الطائف فحسب بل إلى الدنيا كلها .

انطلق الحبيب على قدميه المتعبتين ، لا يركب راحلة فهو لا يملك في هذا الوقت الراحلة !!

ينطلق المصطفى صلى الله عليه وسلم تحت شمس محرقة تكاد تذيب الحديد والصخور والحجارة وعلى رمال ملتهبة إذا ما انعكست عليها أشعة الشمس كادت أن تخطف الأبصار !!

انطلق الحبيب في هذا الجو متعباً يتألم لا سيما وقد ازداد حزنه بموت خديجة رضى الله عنها وبموت عمه أبى طالب الذى كان حائطَ صدِّ منيع لحملات المشركين من الخارج .

النبي ينطلق إلى هناك على قدميه والله لا يريد مالاً ولا يريد جاها ولا يريد وجاهة إنما يريد لهؤلاء خير الدنيا والآخرة .ولكن فعل أهل الطائف بالمصطفى مالم يكن يتوقع فلقد سلطوا عليه الصبيان والسفهاء حتى وقفوا ورموا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بالحجارة ونزف الدم الشريف بأبي هو وأمي .

إنه المؤيد بمدد السماء .. إنه المؤيد بوحى السماء .. تلقى عليه الرمال !! ويلقى عليه التراب ؟!!

ويقذف بالحجارة حتى يسيل الدم الطاهر من جسده ؟!!

فألجأه الصبيان والسفهاء إلى بستان لابن ربيعة وهنالك ارتفعت هذه الكلمات النيرة وتضرع الحبيب إلى الله بهذا الدعاء (( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمنى ؟!! أم إلى عدو ملكته أمري ؟! إن لم يكن بك غضب علىَّ فلا أبالي، أسألك بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ألا تنزل بى غضبك أو يحل علىَّ سخطك ، لك العتبة حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ) ) (1)

وفى البخاري ومسلم: عن عروة أن عائشة رضى الله عنها حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟

قال: (( لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عارضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: يا محمد إن الله جل وعلا قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علىَّ ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال وقد بعثنى ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين والأخشبان جبلان عظيمان بمكة فقال النبي (( بل أرجوا أن يُخرِجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ) ) (1)

هذا ملك الجبال يستأذن النبي أن يحطم هذه الجماجم الصلدة فهذه الرؤوس العنيدة المتكبرة الكافرة المتحجرة . ولكنه ما جزع لنفسه .. ما خرج لذاته .. إنما خرج لله وحده.

هذا نصر غيبى من الله للمصطفى ولكن وصل الحبيب إلى مكة زادها الله تشريفاً - ليرى كرامة أخرى له من الله عز وجل ليرى جبريل هنالك في انتظاره ليأخذه إلى هذه الرحلة المباركة إلى رحلة الإسراء والمعراج .

وكأن الله عز وجل قد أراد أن يقول لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إن كان أهل مكة وأهل الطائف قد رفضوك فإن رب السماء والأرض يدعوك .

يا محمد لا تظن أن جفاء أهل الأرض يعنى جفاء السماء .

إن الله يدعوك اليوم ليعوضك بجفاء أهل الأرض حفاوة أهل السماء الله أكبر .

فتعالوا بنا لنتعرف على هذه الرحلة المباركة ولنجمع بين الروايات إذ لا تعارض بينها كما قال الحافظ بن حجر: في بيت أم هانئ يأتيه جبريل ليشق البيت ليأخذ المصطفى صلى الله عليه وسلم من بيت أم هانئ إلى الحجر في بيت الله الحرام ثم بعد ذلك تبدأ رحلة الإسراء بشق صدر المصطفى صلى الله عليه وسلم .

ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أُتيت فانطلقوا بى إلى زمزم ، فشرح عن صدري( أي شق ) ثم غُسِل بماء زمزم ثم أنزلت )) (1)

وأنتم تعلمون أنه قد شق صدره قبل ذلك وهو غلام صغير حينما كان في ديار بنى سعد عند مرضعته حليمة رضى الله عنها (2) .

تبدأ الرحلة المباركة رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم واللفظ لمسلم من حديث أنس:

أوتيت بالبراق والبراق بنص الحديث الصحيح دابة فوق الحمار ودون البغل ، يضع حَافِرَهُ عند منتهى طرفه .

وقف الحافظ ابن حجر عند قوله البراق فقال: البراق من البريق من اللمعان لأن النبي حدد لونه بالبياض وقال البراق من البرق والبرق ضوء وسرعة الضوء رهيبة هذا هو البراق.

ورد من حديث الترمذى وعند الإمام أحمد في المسند وعند عبد الرازق في مصنفه وعند البيهقى في السنن من حديث أنس:

أن النبى صلى الله عليه وسلم لما انطلق ليركب البراق استصعب عليه فقال جبريل للبراق: ما حملك على هذا والله ما ركبك أحد من خلق الله أكرم على الله منه أى من محمد بن عبد الله .

وركب النبى صلى الله عليه وسلم البراق وانطلق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .

وعنصر الاعجاز في رحلة الاسراء الأرضية هو الزمن .

انطلق النبى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المسجد الأقصى في زمن قليل وهذا هو الذى أنكره المشركون في مكة .

قالوا نضرب لها أكباد الابل شهراً من مكة إلى بلاد الشام وأنت تقول بأنك انطلقت من مكة إلى المسجد الأقصى ثم إلى السماوات العلى وعُدت في جزء من الليل _ لأن الله قال سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً وليلاً عند علماء اللغة أى جزء من الليل ، ولم يقل ليلة لتقول بأن الاسراء قد استغرق ليلة بكاملها لا بل استغرق جزءا من الليلة .

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الاسراء:1]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت