أحبتى في الله:
(( في ظلال الإسراء والمعراج ) )هذا هو عنوان لقاءنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك وكعادتنا فسوف ينتظم حديثنا تحت هذا العنوان في العناصر التالية:
أولاً: تأريخ وتحقيق .
ثانياً: ولماذا الإسراء ؟
ثالثاً: الأقصى الجريح .
رابعاً: المعراج إلى السماوات العلي .
وأخيراً: دروس وعبر من الأحداث .
فأعيروني القلوب والأسماع فإن هذا الموضوع من الأهمية بمكان .
أولا: تأريخ وتحقيق
لقد اعتاد المسلمون - إلا من رحم الله جل وعلا من المحققين - أن يحتفلوا بذكرى الإسراء والمعراج في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب احتفالاً باهتاً باردا لا يليق بالمصطفى !!!
واعتقد الكثيرون أن الإسراء كان في هذه الليلة .
والتحقيق أن العلماء قد اختلفوا اختلافاً كبيراً في يوم الإسراء بل في شهر الإسراء بل في سنة الإسراء !!
قال السدى: كان الإسراء في شهر ذى القعدة .
قال ابن عبد البر: كان الإسراء في شهر ربيع الأول .
قال النووى: كان الإسراء في شهر رجب .
قال الواقدى: كان الإسراء في شهر شوال .
وفى قول آخر قال: كان في شهر رمضان .
وقيل كان الإسراء قبل الهجرة بستة أشهر وقيل كان الإسراء قبل الهجرة بتسعة أشهر ، وقيل كان الإسراء كان قبل الهجرة بسنة ، وقيل كان الإسراء قبل الهجرة بسنة وستة أشهر ، وقيل كان الإسراء قبل الهجرة بثلاث سنين حكاه ابن الأثير .
ومن ثم فإن اليوم والشهر والعام لا يعلمه إلا الملك .
والتحديد للإسراء بيوم وشهر ضرب من المجازفة والتخمين لا دليل عليه من الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى محمد .
ولما لم يحتفل النبي والصحابة والأتباع من بعدهم بذكرى الإسراء فينبغى علينا أن يسعنا ما وسعهم .
فكل خيرٍ في اتباع من سلف وكل شرٍ في اتباع من خلف .
والتحقيق أن الإسراء كان بعد البعثة وقبل الهجرة من مكة زادها الله تشريفا إلى المسجد الأقصى الجريح خلَّصَه الله من أيدى إخوان القردة والخنازير .
ثم من المسجد الأقصى إلى السماوات العلي كما سأفصل الآن بحول الله وقوته .
ثانياً: ولماذا الإسراء ؟
وللجواب على هذا السؤال قصة إنها قصة طفل طهور كالربيع !!
إنها قصة طفل كريم كالنسيم !! إنها قصة طفل نشأ في مكة في بيئة تصنع الحجارة بأيديها وتسجد لها من دون الله جل وعلا !!!
بل كان يصنع الواحد منهم إلهه من خشب أو من نحاس أو حتى من حلوى أو من تمر فإذا ما عبث الجوع ببطنه قام ليدس هذا الإله الرخيص في جوفه ليذهب عن نفسه شدة الجوع !!!
فى هذه البيئة نشأ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فاحتقر هذه الأصنام وأشفق على أصحاب هذه العقول .
فترك هذه البيئة الشركية وانطلق بعيداً بعيداً إلى قمة جبل النور . إلى غار حراء ليقضى ليله في التأمل والتفكر والتضرع ، ويقضى النهار كذلك في التأمل والتفكير والتدبر .
وفى ليلة كريمة يخشع الكون وتصمت أنفاس المخلوقات وجبريل أمين وحي السماء يتنزل لأول مرة على المصطفى صلى الله عليه وسلم محمد على قمة جبل النور ليضم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ضمة شديدة وهو يقول له (( اقرأ ) )والحبيب يقول ما أنا بقارئ ، وجبريل يقول (( اقرأ ) )والمصطفى يقول: ما أنا بقارئ ، وفى الثالثة غطَّه حتى بلغ منه الجهد وقال للحبيب:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]
فؤاده يرتجف وفرائصه ترتعد .. وجوارحه تضطرب حتى وصل إلى السكن .. إلى رمز الوفاء .. إلى سكن سيد الأنبياء .. إلى خديجة بنت خويلد رضى الله عنها وأرضاها .إلى هذه الزوجة العاملة الصالحة التي استحقت أن شرفها الله بأن أرسل إليها السلام من فوق سبع سماوات ففي الصحيحين من حديث أبى هريرة
(( أتى جبريل عليه السلام إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم ومعها إناءٌ فيه إدام -(طعام أو شراب) - فإذا هي أتت فقال جبريل: يا رسول الله ، هذه خديجة قد أتت ، فأقرأ عليها السلام من ربها، ومنى وبشرها ببيت في الجنة من قصب ،لا صخب فيه ولا نصب )) (1) .
فلما أقبلت خديجة بَشَّرَهَا المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذه البشارة وقال ياخديجة: ربك يقرئك السلام وجبريل يقرئك السلام !!
فماذا قالت خديجة البليغة العاقلة العالمة ، ما قالت وعلى الله السلام وإنما قالت إن الله هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته .
خديجة عاد إليها النبي محمد يرجف فؤاده وهو يقول زملونى زملونى ، واستجابت خديجة حتى استيقظ الحبيب وقد هدأت نفسه واستقرت جوارحه وقال: (( والله لقد خشيت على نفسي ياخديجة ) )وقص عليه فبشرته بهذه الكلمة الطيبة وقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً إلى آخر ما ذكرت والحديث رواه البخاري وهو حديث طويل (2)
ثم فتر الوحي لفترة قليلة - على الراجح - ثم نزل قول الله عز وجل على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1-7] قم يا محمد دع عنك هذه الأغطية فما كان بالأمس حلماً جميلاً أصبح اليوم حملاً ثقيلاً.
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: 1-5] فقام الحبيب ولم يقعد عشرين سنة ، لم يعرف طعم الراحة .. لم يذق طعم النوم .. لم يهدأ!!
وإنما انطلق على قدميه حاملاً نور الله عز وجل إلى البشرية ليخرجها من ظلمات الشرك وأوحال الوثنية إلى أنوار التوحيد والإيمان برب البرية جل وعلا .
انطلق الحبيب بعد ذلك بعدما نزل عليه قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ انطلق يدعوا الناس سراً إلى الإسلام ثلاث سنين .
لأن للأصنام جيوشاً غاضبة إن هؤلاء القوم يقتلون من أجل ناقة فما ظنك بآلهة يذبحون لها آلاف النياق إن مس جنابها على يد محمد ابن عبد الله وبعد هذه المرحلة السرية نزل قول الله عز وجل:
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين [الشعراء:214]
فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94]
فقام الحبيب ملبيا أمر الله: فصعد على جبل الصفا ينادى على بطون مكة يا بنى فهر ، يا بنى عدى ، يا بنى كذا يا بنى كذا ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو والتف حوله الناس من أهل مكة ووقفوا بين يديه وعلى رأسهم أبو لهب .
وقام الحبيب ليقيم الحجة على قومه بلغة النبوة فقال: (( أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ ) )
قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقاً .
فقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( فإنى نذير بين يدى عذاب شديد ) ).
فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد:1 - 5] (1)
بعد هذا الموقف حدث أن قريشاً أرعدت وأبرقت ودقت طبول الحرب على رأس المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه .