إليك الأدلة الصحيحة الصريحة على عذاب القبر أستهلها بهذه الترجمة الفقهية البليغة لإمام الدنيا في الحديث - الإمام البخاري - فقد ترجم في كتاب الجنائز باباً بعنوان (( باب ما جاء في عذاب القبر ) )وتكفي هذه الترجمة، ولقد فقهَ البخاري في تراجمه كما قال علماء الحديث وعلماء الجرح، وساق البخاري في هذا الباب الآيات الكريمة عن الله جل وعلا وروى فيه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسأكتفي بآية واحدة استدل بها جميع أهل السنة بلا خلاف على ثبوت عذاب القبر:
قال الله تعالى: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:45-46] .
قال جميع علماء أهل السنة: ذكر الله في هذه الآية عذاب دار البرزخ وعذاب دار القرار ذكراً صريحاً، وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدواً وعشياً أي: صباحاً ومساءاً هذا في دار البرزخ، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب: أي: يوم القيامة.
فذكر الله عذابين في الآية: عذاباً في الدنيا وعذاباً في الآخرة عذاب دار البرزخ وعذاب دار القرار.
وقبل أن أزف إليك الأدلة الصحيحة التي تلقم المنكرين الأحجار أود أن أنوه إلى أن الله قد أنزل على النبي وحيين وأوجب الله على عباده الإيمان بهما ألا وهما القرآنُ والسنة الصحيحة.
انطلق هؤلاء المنكرون وقالوا: كفانا القرآن وظنوا أنهم - بهذه الدعوى التي يغنى بطلانها عن إبطالها، ويغنى فسادها عن إفسادها - أنهم قد خدعونا والله ما خدعوا إلا أنفسهم.
من كَذَّبَ بالسنة الصحيحة فقد كفر بالقرآن..ومن رد السنة فقد رد القرآن.
تدبر معي آيات الله عز وجل: وَمَا ءَاتَاكُمُ الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7] .
وقال تعالى: من يطع الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً [النساء:80] .
وقال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ النساء: 65 ] .
وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا [الأحزاب: 36 ] .
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [ الحجرات:1-2] .
فالسنة حكمها مع القرآن على ثلاثة أوجه.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين: السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:
"الوجه الأول: أن تأتي السنة مؤكدة لما جاء به القرآن وهذا من باب تضافر الأدلة."
الوجه الثانى: أن تأتي السنة مبينة وموضحة لما أجمله القرآن.
قال تعالى: وأقيموا الصلاة لكن لم يذكر عدد الصلوات، ولا أركان الصلاة، ولا كيفية الصلاة ولا مواقيت الصلاة، فجاء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لكي يبين لنا عددها وأركانها وكيفيتها ومواقيتها وهكذا.
الوجه الثالث: أن تأتي السنة موجبة أو محرمة لما سكت عنه القرآن، قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( ألا يوشك رجل شبعان متكيء على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ) )، قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( ألا إن ما حرم الله كما حرم رسول الله ) ) ( [4] ) .
وإليكم الأحاديث الصحيحة التي تثبت أن عذاب القبر حقيقة لا ريب:
ففي الحديث الذي رواه أحمد والحاكم وغيره وحسنه الشيخ الألباني"كان عثمان إذا وقف على القبر بكى وإذا ذكر الجنة والنار لا يبكي فقيل له: يا عثمان تذكر الجنة والنار فلا تبكي فإذا وقفت على القبر تبكي، قال عثمان: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( القبر أول منازل الآخرة فإن نجى منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه صاحبه فما بعده أشد منه ) )."
وانظر إلى هذا الحديث الصحيح قال المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما مر على قبرين فقال: (( أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ) )، ثم قال: (( أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الأخر فكان لا يستتر من بوله - أو لا يتنزه من بوله - ) ) ( [5] ) .
وَقِفْ مع هذا الحديث الصحيح الذي رواه البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي كان يدعو الله ويقول: (( اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر ) ) ( [6] ) .
وفي الحديث الذي رواه مسلم وأحمد وابن حبان والبزار وغيرهم من حديث زيد بن ثابت: (( بينما النبي في حائط لبنى النجار على بغلة له ونحن معه إذ جاءت به(أي البغلة) فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة، أو خمسة، فقال: (( من يعرف أصحاب هذه الأَقْبُر؟ ) )قال رجل: أنا، قال: (( فمتى ماتوا؟ ) )قال: في الشرك، فقال: (( إن هذه الأمة تُبْتَلَى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يُسْمِعَكُم من عذاب القبر الذي أسمع منه ) )ثم أقبل علينا بوجهه فقال: (( تعوذوا بالله من عذاب القبر ) )قلنا: نعوذ بالله من عذاب القبر )) ( [7] ) .
وفى الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (( دَخَلَتْ علىّ امرأة من يهود المدينة فذكرت عذاب القبر فقالت المرأة لعائشة: أعاذك الله من عذاب القبر فلما خرجت اليهودية سألت عائشة النبي عن عذاب القبر فقال: (( نَعَمْ عذاب القبر ) )وفى رواية: (( عذاب القبر حق ) )فقالت عائشة: (( فما رأيت النبي يصلى بعدها إلا ويستعيذ من عذاب القبر ) ) ( [8] ) .