لقد انتهينا في اللقاء الماضي مع الجنازة وهي في طريقها إلى القبر تتكلم.!!، كما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي قال: (( إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير ذلك قالت:يا ويلها، أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شئ إلا الثقلين - أو قال: إلا الإنسان - ولو سمع الإنسان لصعق ) ) ( [1] ) .
وها نحن قد وصلنا بالجنازة إلى القبر فقف معي الآن عند القبر وأهواله وفتنة القبر وأحواله. أسأل الله جل وعلا أن يحفظنا وإياكم من فتنته إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وكعادتنا فسوف ينتظم حديثنا اليوم مع حضراتكم في هذه العناصر التالية:
أولاً: الأدلة على عذاب القبر ونعيمه.
ثانياً: أسباب عذاب القبر.
ثالثاً: ما السبيل للنجاة من عذاب القبر؟
فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب الكريم والله أسال أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أولاً: الأدلة على عذاب القبر ونعيمه
نحن اليوم في أمس الحاجة لهذا الموضوع الذي نحن بصدده فهو من الأهمية بمكان لا سيما بعد ما قرأنا على صفحاتٍ سوداء في مقال أسود بعنوان"عذاب القبر خرافات وخزعبلات"!!
هكذا يعنون لمقاله فضيلة الأستاذ الدكتور ثم يتطاول هذا الأستاذ الدكتور الجريء فيقول:"إن جميع الأحاديث التي وردت في مسألة عذاب القبر مجرد خرافات"!!!، ثم أظهر جهله الفادح، فقال:"إن عذاب القبر غيب والقرآن بَيَّن لنا أن النبي لا يعلم الغيب"!! جهل مركب..!
معنى ذلك يا فضيلة الدكتور أنه ينبغي أن ننكر ونكذب كل أمر غيب أخبرنا به المصطفى صلى الله عليه وسلم ، كالإيمان بالله، وكالإيمان بالملائكة، وكالإيمان باليوم الآخر وكالإيمان بالقدر خيره وشره ...إلى سائر الغيبيات التي أخبر عنها رسول الله .
نسي هذا المسكين قول رب العالمين في سيد المرسلين: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم: 3-5] .
أما تقرأ يا مسكين في سورة البقرة قوله تعالى: ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة:1-2] .
وتمنيت يا فضيلة الدكتور لو قرأت من جديد هذه الآيات، إن أول صفة من صفات المؤمنين الإيمان بالغيب.
وخرج علينا أستاذ آخر فكتب كتاباً ضخماً يزيد عن الثلاثمائة صفحة، ينفي فيه من أول صفحة إلى آخر صفحة عذاب القبر ونعيمه، يلوي أعناق النصوص لياً عجيباً، وها أنا الآن أرد على هؤلاء المتطاولين المكذبين المنكرين، الذين قال عنهم الإمام القرطبي والإمام الحافظ ابن حجر:"لم ينكر عذاب القبر إلا الملاحدة، والزنادقة، والخوارج، وبعض المعتزلة، ومن تمذهب بمذهب الفلاسفة، وخالفهم جميع أهل السنة"
وقال الإمام أحمد رحمه الله:"عذاب القبر حق ومن أنكره فهو ضال مضل"
أيها الحبيب: سأقدمُ إليك سيلاً من الأدلة الصحيحة على عذاب القبر من كلام الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ولن أطيل الوقفة مع القرآن! لماذا؟! ..لأن القرآن حمَّال ذو أوجه كما قال على بن أبي طالب لابن عباس وهو في طريقه لمناظرة الخوارج.
قال على: يا ابن عباس جادلهم بالسنة ولا تجادلهم بالقرآن فإن القران حمَّال ذو أوجه.
استهل الحديث بين يدي هذا العنصر الهام بمقدمة اقتبسها من كلام أئمتنا الأعلام وأبدأ هذه المقدمة بكلام دقيق نفيس للإمام ابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية على شارحها ومصنفها الرحمة من الله جل وعلا.
قال: اعلم أن عذابَ القبر هو عذاب البرزخ، وكل إنسان مات وعليه نصيب من العذاب فله نصيبه من العذاب قُبِرَ أو لم يُقْبر سواء أكلته السباع أو احترق فصار رماداً في الهواء أو نسف أو غرق في البحر.
تأملوا يا من تحكمون العقول في هذا الدليل الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي قال: (( قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه. ثم ذرّوه، نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين. فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم. فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر الله البحر فجمع ما فيه. ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك، وأنت أعلم فغفر الله له ) ) ( [2] ) .
الشاهد من الحديث أن الله أحياه بعدما حُرِق وذُرِىَ رماده في البحر والبر فقال له الملك: كن فكان على الفور.
قال تعالى:إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [ آل عمران: 59 ]
وقال تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة: 259 ] .
وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ البقرة: 260 ] .
إن قدرة الله لا تحدها حدود، لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء وأنهي هذه المقدمة بكلام نفيس للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، حيث قال:
"إن الله تعالى قد جعل الدور ثلاثة، وهى: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار"ثم قال:"وجعل الله لكل دار أحكاماً تختص بها، فجعل الله الأحكام في دار الدنيا تسير على الأبدان، والأرواح تبع لها، وجعل الأحكام في دار البرزخ تسرى على الأرواح، والأبدان تبع لها، وجعل الأحكام في دار القرار تسرى على الأرواح والأبدان معاً"
ثم قال ابن القيم:"واعلم أن سعة القبر، وضيقه، ونوره، وناره ليس من جنس المعهود للناس في عالم الدنيا".
ثم ضرب للناس مثلا عقلياً دقيقاً رائعاً فقال:
"أنظر إلى الرجلين النائمين في فراش واحد أحدهما يرى في نومه أنه في نعيم، بل وقد يستيقظ وأثر النعيم على وجهه ويقص عليك ما كان فيه من النعيم، قد يقول لك: الحمد لله لقد رأيتني الليلة وأنا مع رسول الله ورأيت النبي وكلمت النبي ورد علىّ النبي وقال لي النبي ..الخ"
من رأى النبي في المنام فقد رآه حقاً، وأخوه إلى جواره في فراش واحد قد يكون في عذاب ويستيقظ وعليه أثر العذاب ويقص عليك ويقول: كابوس كاد أن يخنق أنفاسي!!""
هل تدبرت أخي في الله في هذا الكلام؟!! الرجلان في فراش واحد هذه روحه كانت في النعيم، وهذا روحه كانت في العذاب مع أن أحدهما لا يعلم عن الأخر شيئاً.
هذا في أمر الدنيا فما بالك بأمر البرزخ الذي لا يعلمه إلا الله؟!!
مقدمة دقيقة ولو تدبرتها لوقفت على الحقيقة.
وأنا أقول: متى كان العقل حاكماً على الشرع والدين؟!!
لله در عَليّ يوم أن قال:"لو كان أمر الدين بالعقل لكان المسح على باطن الخف أولى من المسح على أعلاه" ( [3] ) .