أخواننا خرجوا على قبر فأحرقوه وأحدثوا فتنة شديدة جداً ثم قبض على هؤلاء الأخوة وعلى غيرهم ، وشيد القبر تشييدا ضخما ، فيا أخواننا أبو هياج الأسدى كان عاملاً لعلى، أردت الإشارة إلى أن فعل أبى الهياج الأسدى إنما هو فعل رجل مسؤول لأمير المؤمنين على - رضى الله عنه - حتى لا نستدل أيضا بالأدلة في غير موضعها.
عن تمامة بن شفى قال: خرجنا مع فضالة بن عبيد إلى أرض الروم وكان عاملا معاوية على الدرك وفى راوية: غزونا أرض الروم وعلى ذلك الجيش فضالة بن عبيد الأنصارى ، فأصيب ابن عم لنا فصلى عليه فضالة ، وقام على حفرته حتى داراه فلما سوينا عليه حفرته قال: أخفوا عنه .. وفى لفظ خففوا عنه فإن رسول الله كان يأمرنا بتسوية القبور ( [8] ) .
قال الشيخ رحمه الله: الظاهر من حديث فضالة كان يأمرنا بتسوية القبور تسويتها بالأرض بحيث لا ترفع إطلاقا . قال: هذا الظاهر غير مراد قطاعاً بدليل أن السنة هى الرفع للقبر فوق الأرض بمقدار شبر كما مرت الإشارة إليه ، ويؤيد هذا من الحديث نفسه قول فضالة: خفضوا - أى التراب - فلم يأمر بإزالة التراب عنه بالكلية ..
ومن الأخطاء الكبيرة التى يقع فيها كثير من المسلمين جلوسهم على المقابر ووقوفهم بالنعال على المقابر ، مع أن النبى صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذلك نهياً شديداً وتوعد من فعل ذلك والحديث في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة - رضى الله عنه - أن النبى
قال:"لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" ( [9] ) ، وفى رواية:"خيراً أن يطأ على قبر"
فأنا أنبه المسلمين. إذا ذهبت إلى مقبرة في جنازة ووجدت رجلا يجلس على القبر قل
له: أنزل لهذا النهى الشديد ، لأن هذا المنكر استشرى مع أن كثير منا يعرف الحكم.
"لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر".. والحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه واحمد والبيهقى وغيرهم ، وفى رواية عن عقبة بن عامر - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لأن أمشى على جمرة أو سيف أو أخصف نعلى برجلى أحب إلى من أن أمشى على قبر مسلم""لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلى برجلى أحب إلى من أن أمشى على قبر مسلم"وفى هذا الحديث دلالة على تحريم الجلوس عل القبور وعلى تحريم المشى على القبور. وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
أيضا الصلاة إلى القبور محرمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تصلوا إلى القبور" ( [10] ) ..
وفى هذا دليل على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهى كما قال الأمام النووى رحمه الله تعالى قال صاحب فيض القدير: إن قصد إنسان التبرك بالصلاة في تلك البقعة - أى عند مقبرة معينة ويصلى وهو يقصد التبرك بالصلاة في تلك البقعة - فإن قصد إنسان التبرك بالصلاة فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله.
قال النووى: كذا قال أصحابنا ، ولو قيل بتحريمه بظاهر الحديث لم يبعد ، ويؤخذ من الحديث النهى عن الصلاة في المقبرة فهو مكروه كراهة تحريم لا كراهة تنزيه ، وقد استشهدت بقول النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخارى ومسلم:"اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً" ( [11] ) .. لفظ البخارى"اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً" ( [12] ) وفى لفظ:"لا تجعلوا بيوتكم"
مقابر" ( [13] ) "
هذا دليل على أن المقابر لا يصلى فيها فنهى النبى صلى الله عليه وسلم أن تكون البيوت كالمقابر بحيث لا يصلى فيها ، وفى لفظ:"لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذى تقرأ فيه سورة البقرة" ( [14] ) دل
ذلك على أن المقابر لا تقرأ فيها سورة البقرة أو القرآن ..
واختم الحديث الليلة بحكم بناء المساجد على القبور فلا يجوز أن تبنى المساجد أبدا على القبور سواء أكانت هذه القبور للأنبياء أو الصالحين أما مسجد النبى صلى الله عليه وسلم فله حكم خاص كما سأبينه الآن
بإذن الله تعالى ، والأدلة على ذلك كثيرة منها ما رواه البخارى ومسلم وغيرهما من حديث عائشة - رضى الله عنها - وابن عباس - رضى الله عنهما - قالا - أى عائشة وابن عباس -: لما نزل برسول الله المرض - أى مرض الموت - طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه ، قال:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"تقول عائشة يحذر ما صنعوا ( [15] ) .. لعنة الله على اليهود والنصارى ليه ؟ قلا"اتخذوا قبور"
أنبيائهم مساجد".. يحذر ما صنعوا ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من صنيع اليهود والنصارى كان اليهود والنصارى إذا مات لهم نبى اتخذوا على قبره مسجداً ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن هؤلاء لفعلهم هذا ويحذر أمته أن يفعلوا مثلما فعل اليهود والنصارى."
وقال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخارى ومسند أحمد وغيرهما من حديث عائشة - رضى الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذى لم يقم منه - يعنى في مرض
الموت - قال:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".. قالت عائشة رضى الله عنها: فلولا ذلك أبرز قبره ( [16] ) ، فلولا ذلك أبرز قبره غير أن خشى
أن يتخذ مسجدا - أى القبر - مسجدا.
وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ( [17] ) .. وفى رواية:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم"
مساجد".. والحديث أيضاً رواه البخارى ومسلم وأبو داود وغيرهم."
وهناك حديث أخر في مسند أحمد وطبقات ابن سعد والحلية لأبى نعيم بإسناد صحيح من حديث أبى هريرة - رضى الله عنه - قال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم:"اللهم لا تجعل قبرى وثنا" ( [18] ) .. يعنى صنماً
يعبد"اللهم لا تجعل قبرى وثنا لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"..
وعند جندب قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس - أى بخمس ليال -
يقول:"إن الله تعالى قد اتخذنى خليلاً"يقول:"قد كان لى فيكم أخوة وأصدقاء"طبعا لفظة الصديق لفظة قرآنية ونبوية ؛ لأن بعض إخواننا قال: إن هذه اللفظة لا ينبغى أن تُستخدم ؛ لأنها من ألفاظ غير المسلمين ، قلت: يا أخى لا. بل ذكرها القرآن الكريم وذكرها النبى صلى الله عليه وسلم فلا ينبغى أن نتعجل بالأحكام وأن نتسرع قبل أن نعلم ، فلفظة الصديق (أو صديقكم) لفظة في القرآن وأحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فقال:"قد كان فيكم إخوة وأصدقاء وإنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل ، فإن الله تعالى قد اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذ من أمتى خليلا ، لاتخذت أبا بكر خليلا ألى وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد إلا فا تتخذوا القبور مساجد أنهاكم عن ذلك" ( [19] ) ..
أوامر نبوية في غاية الوضوح"إلا وإن من كان قبلكم كان يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إنى أنهاكم عن ذلك"الحديث رواه مسلم وغيره.
وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء" ( [20] ) .. قد يلتبس هذا الحديث على بعض الإخوة كيف
ذلك:"إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء ومن يتخذون القبور مساجد".