فهرس الكتاب

الصفحة 9744 من 9994

وعن عائشة - رضى الله عنها - قالت: لما كان مرض النبى صلى الله عليه وسلم تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة ، كانوا رأوها في أرض الحبشة مع الهجرة الأولى لأرض الحبشة يقال لها - يعنى الكنيسة-: ماريا اسم الكنيسة ماريا ، وقد كانت أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم وأم حبيبة زوج النبى صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهن جميعاً قد رأتا أرض الحبشة فذكرن من حسنها وتصاويرها فقال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم:"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"، والحديث رواه البخارى ومسلم وغيرهما ( [21] ) .

هذه الأحاديث تدل دلالة قاطعة على حرمة اتخاذ القبور مساجد ، وتدل دلالة قاطعة عل حرمة بناء المساجد على القبور ، والحكم أن القبر إن ادخل إلى المسجد بعد بناء المسجد ينبش القبر وأن يُخرجَ المسلمون الجثمانَ لدفنه في مقابر المسلمين ويبقى المسجد ، وأن بنى المسجد على القبر فالحكم أن يظل القبر وأن يُهدم المسجد والسؤال المهم ما الحكم في قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم ألا تعلم أنه في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم .

والجواب أن النبى صلى الله عليه وسلم لما مات دُفن في حجرة عائشة - رضى الله عنها - وانتم تعملون كما ذكرتُ لكم قبل ذلك أنه ما من نبى مات إلى وقُبِر في الموضع الذى قبض فيه - في مكان موته - فلما اختلف الصحابة قال أبو بكر - رضى الله عنه -: إنى سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبى مات إلا وقبض في موضع قبره" ( [22] ) "

وذكرنا لكم دليلا جميلا رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة لما سأل النبى صلى الله عليه وسلم الله موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما سأل رَّبه عز وجل أن يقبضه على مشارف الأرض المقدسة ، لما سأل بنى إسرائيل أن يدخلوا معه الأرض المقدسة لقتال العماليق الذين استولوا على بيت المقدس فقال اليهود لموسى قولتهم المشهورة: ] فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [ [ المائدة: 24]

فسأل موسى ربه - عز وجل - أن يقبضه إلى جوار الأرض المقدسة بمقدار رمية حجر فاستجاب الله له ، قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:"فقُبِض ولو كنت ثمَّ - يعنى لو كنت هناك - لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر"تدبر كلام النبى صلى الله عليه وسلم .. يعنى قبر موسى"لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر"عند المكان الذى سأل نبُّى الله موسى أن يقبضه الله فيه فقبض فدفن في نفس الموطن الذى قبضه الله فيه.

فالنبى قُبض في بيت عائشة فدفن في موضعه في حجرة عائشة - رضى الله عنها - وحجرات النبى صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في جانب من جوانب المسجد النبوى ، كان النبى صلى الله عليه وسلم يخرج من الحجرة على المسجد من عند عائشة حفصة من عند أم حبيبة من عند أم سلمة من عند أى زوجة من زوجاته إلى المسجد فسأل النبى صلى الله عليه وسلم نساءه في أن يأذنَّ له في أن يمرض في بيت عائشة ، لأنه كان يحب عائشة ، فمرض في بيت عائشة وقبض في بيت عائشة ودفن في بيت عائشة ، وظل قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة بعيدا عن المسجد وليس في المسجد في عهد أبى بكر وفى عهد عمر وفى عهد عثمان وفى عهد على وفى عهد الحسن بن على الذى صار أمير المؤمنين ستة اشهر بعد علىِّ ثم تنازل الحسن بن على - رضى الله عنهما - إلى معاوية - رضى الله عنه - ليحقن دماء المسلمين وقد فصلت ذلك في أشرطة تحقيق الفتنة بين الصحابة ، ثم في عهد معاوية - رضى الله عنه - ظل المسجد النبوى خالياً من قبر الحبيب النبى صلى الله عليه وسلم وقال النبى صلى الله عليه وسلم:"عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى" ( [23] ) لو

كان يجوز أن يدخل قبرُ النبى صلى الله عليه وسلم إلى المسجد والله لفَعَلَ ذلك أولُ وأفضلُ رجل في الأمة بعد نبيها أبو بكر ولكنه هيهات ، كيف وهو الذى سمع رسول الله يقول:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبورَ انبيائهم وصالحيهم مساجد" ( [24] ) .. كيف يفعل ذلك الصديق وكيف يفعل ذلك عمر وعثمان رضى الله عنهما

وهو أول خليفة وسع المسجد بعد النبى صلى الله عليه وسلم وسعه من الناحية المقابلة تماماً للحجرات ، وظل كذلك في عهد علىَ وفى عهد الحسن وفى عهد معاوية إلى أن تولى الخلافة عبد الملك بن مروان.

الشاهد أن لا يُحتج بفعل بشر حتى لو كان الصديق - رضى الله عنه - إن خالف فعلهُ فعلَ سيد البشر وحاشاه أن يخالف رسوله ومصطفاه. ابن عباس - رضوان الله عليه - يقول: أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر .. والله ليوشكن الله ينزل علينا حجارة من السماء وأنا أقسم بالله أن ابا بكر وعمر ما قالا قولا يخالفا به قولَ الحبيب رسول الله أبداً ، بل هو الذى أمرنا بأبى هو أمى ونفسى وروحى:"فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ وأياكم ومحدثات الأمور"ولم يفعل واحدٌ من الصحابة ذلك لم يفعل أبو بكر ولم يدخل قبرَ النبى صلى الله عليه وسلم في المسجد ، ولم يفعل عمر ، وعثمان ، وعلى ، والحسن ، ومعاوية ، ومعاوية ابن أبى سفيان رضى الله عنه صحابى جليل كريمٌ من كُتَّاب وحى النبى صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ، فمن الذى فعل ؟ عبد الملك سنة ستة وثمانين هجرية ، يعنى بعد ستَ وثمانين سنة من الهجرة ذهب للحج ثم ذهب لزيارة المدينة وارتقى المنبر وحجرات النبى صلى الله عليه وسلم ا زالت على هيئتها وحالتها ، فتصور كل من يأتى من المسلمين من الأمصار إلى المدينة فإن أول ما ينظر ينظر في المسجد إلى آثار النبى صلى الله عليه وسلم وحجرات النبى صلى الله عليه وسلم وأحفاده ، فرأى عبد الملك بن مروان أن الناس قد انشغلوا كل الانشغال بهذه الآثار ، فنزل من على المنبر في يوم الجمعة ثم أمر من يومها بتوسعة المسجد النبوى من قبل الحجرات الشريفة.

وليته وَسَّعَ من الناحية المقابلة للحجرات كما فعل عثمان - رضى الله عنه - وبقيت الآثار المباركة والحجرات الشريفة ليرى المسلمون كيف كان يعيش النبى صلى الله عليه وسلم لتظل الحجرات مستقلة عن المسجد ، ولكنه أمر بهدم الحجرات للتوسعة فهدمت حجرات النبى صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم صار القبرُ الشريف في المسجد ، فهل يحتج بعد هذا أن قبر النبى صلى الله عليه وسلم في المسجد ؟! ويُخالف به قول النبى صلى الله عليه وسلم:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد"؟! ثم أودُّ أن أبشرَ بأن قبر النبى صلى الله عليه وسلم ولو كان في المسجد فله خصوصيةٌ ليست لآى قبر في أى مسجد على وجه الأرض فهو المصطفى صلى الله عليه وسلم الذى سأل ربَّه واستجابَ له ربُه ، سأل ربَّه بقوله:"اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد" ( [25] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت