فهرس الكتاب

الصفحة 9585 من 9994

الثاني عشر: من الآثار في آثار التوحيد في النفوس زوال الحيرة والتردد عند الإنسان وهذا مما ابتلي به الكثير من المسلمين اليوم القلق ، الحيرة ، التردد ، الهم الاكتئاب النفسي وانظروا في العيادة النفسية لتروا الدليل على ذلك كلما كان الإنسان موحدا مخلصا لله منيب إليه كلما كان أكثر اطمئنانا وراحة وسعادة وكلما كان الإنسان بعيدا عن الله كلما كان أكثر حيرة وضلالا وترددا اقرأ إن شئت قول الحق عز وجل (قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين) نقل [ابن كثير] في التفسير قال عن [ابن عباس] قال هو الذي لا يستجيب إلى هدى الله وهو رجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وحاد عن الحق وضل عنه وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ويزعمون أن الذي يأمرونه به هو الهدى انتهى إلى آخر كلامه رحمه الله لكن الهدى هدى الله فأهل التوحيد أكثر الناس برا ويقينا وطمأنينة وإيمانا وأبعدهم عن الحيرة والانفراد والتخبط والتنافر أما الكفار أما أهل البدع والخرافات فلا تسلهم بؤسهم وشقاهم فالحيرة والقلق واليأس والفراغ الملل والضيق الاكتئاب كلمات تتردد كثيراً في كتاباتهم ومؤلفاتهم وعلى ألسنتهم بل وفي حياتهم وواقعهم وما ذلك الشباب والله ما ذلك الشباب الضائع الذي يعيش حياة البهائم وقد دمر نفسه بالمخدرات والجنس والعنف والشذوذ والجرائم والانتحار إلا من الدلائل والبراهين لتلك الحيرة وذلك التخبط والضلال الذي مزق الإنسان هناك في بلاد الكفر والخرافات والبدع بل إن من أبناء المسلمين وللأسف من وقع فريسة لهذه الأفكار والتصورات نعم انطفأت شعلة التوحيد في نفوسهم فامتلأت حيرة وشكا واضطرابا وترددا ؛ فهي تبحث عن السعادة تبحث عن النور تبحث عن الحق وليس ذلك والله ليس ذلك والله إلا بتوحيد الله؛ بالتوحيد الخالص لله بالتوحيد تعرف من أنت من أين أتيت لماذا أتيت ماذا يريد الله منك ولولا الله ما كنت موجودا في الوجود (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك) بالتوحيد تعلم أنه خالق الكون وموجد هذه النعم سخرها لسعادتك وراحتك فلا يمكن أبدا لا يمكن أبدا أن توجد الشمس أو القمر أو النجوم كل هذه الأمور مسخرات لنعمتك مسخرات لك أنت أيها العبد فلا يمكن أبداً أن توجد هذه المخلوقات نفسها ولا أن توجد صدفة فتعين إذاً أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين ولهذا لَمَّا سمع [جبير ابن مطعم] رضي الله تعالى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صورة الطور فبلغ هذه الآيات (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون) قال جبير وكان مشركا يومئذ قال كاد قلبي أن يطير كاد قلبي أن يطير وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي والحديث رواه [البخاري] فدعوة لأحبابنا وإخواننا أولئك الذين أصابتهم الحيرة والتردد ، دعوة إلى أن ينظروا في حولهم أو من حولهم ويتفكروا في خلق الله وفي قدرة الله وهذا الكون العجيب فيجد الراحة والسعادة بتوحيد الله عز وجل ولا يمكن أبداً أن يكون ذلك إلا إذا كان هدفك أيها المسلم هو رضا الله لا رضا غيره أما الحائرون المترددون الغافلون الضائعون فيعبر عن ضياعهم أحدهم في قصيدة له سماها طلاسم وهي طلاسم تسجل أفكار الضائعين وخواطرهم وقلقهم وحيرتهم واضطرابهم وتورد نماذج لسؤالهم واستفساراتهم يقول فيها:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت

ولقد أبصرت طريقا قدامي فمضيت

وسأبقي سائرا إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت كيف أبصرت طريقي

لست أدري …

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود

هل أنا حر في الطريق أم أَسِيرٌ في قيود

هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود

أتمني أنني أدري ولكن لست أدري

وطريقي ما طريقي أطويل أم قصير

هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور

أنا سائر في الدرب أم الدرب يسير

أم كلانا واقف والدهر يجري

لست أدري

إلى أن قال:

ألهذا اللغز حلٌ أم سيبقي أبديا

لست أدري

ولماذا لست أدري؟ لست أدري

أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور

فحياة فخلود أم فناء فدسور

أكلام الناس صدق أم كلام الناس زور

أصحيح أن بعض الناس يدري

لست أدري

هذه الأسئلة التي أثارها في قصيدته هي أسئلة يرددها المحرومون من نعمة الإيمان الفاقدون حلاوة التوحيد وأنسه وطعمه ورائحته أما هذه الأسئلة عند الموحدين عند المؤمنين فلا تقلقهم بفضل الله تعالى ومنته؛ فبدينه الإجابات المفصلة عليها وفي قرآننا وفي أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام الكلام اليقيني الصحيح الصادق عنها فهذه الأسئلة ليست طلاسم في تصور المسلم الموحد وتفكيره وشعوره بل على العكس هذه الأسئلة وإجاباتها هي مصدر اطمئنان المسلم وثباته وسعادته وراحته بل هي والله التي تحرك مشاعره وتجري مدامعه وتزيده استقامة وتوحيدا فلا قلق في النفس ولا اضطراب في الفكر فالمنهج واحد والمبدأ واضح ثابت لا يتغير فأنا أعلم من خلقني ولماذا خلقني وإلى أين سأذهب كل هذه أسئلة مصدرها اطمئنان المسلم أو مصدر اطمئنان المسلم وراحته ولله در شيخ الإسلام ابن تيميه وهو يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية ويقول أيضا إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، نسأل الله الكريم من فضله.

أخيرا ومن آثار التوحيد في النفوس جمع كلمة المسلمين الموحدين وتوحيد صفوفهم جمع الله بالتوحيد القلوب المشتتة والأهواء المتفرقة فما اتحد المسلمون وما اجتمعت كلمتهم إلا بالتوحيد وما تفرقوا واختلفوا إلا لبعدهم والله عنه؛ فربهم واحد ودينهم واحد ونبيهم واحد وقبلتهم واحدة ودعوتهم واحدة هي لا إله إلا الله ولا معبود بحق إلا الله أهل التوحيد لا يختلفون في أصول الدين وقواعد الاعتقاد يرون السمع والطاعة لولاة أنفسهم ولولاة أمورهم بالمعروف ما لم يأمروا بمعصية ولا يجوز الخروج عليهم وإن جاروا إلا أن يرى منهم كفر بواح عليه من الله برهان ، أهل التوحيد تتفق في الغالب وجهات نظرهم وردود أفعالهم مهما تباعدت الأمصار والآثار فالمصدر واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت