ومن آثار التوحيد أيضا جود نفوس الموحدين بالمال والنفس في سبيل الله ونصرة دينه؛ فأمة التوحيد أمة قوية تبذل كل غال ونفيس من أجل دينها وعقيدتها وتثبيت دعائمه غير مبالية بما يصيبها في سبيل ذلك يقول الحق عز وجل (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) لم يدخلهم شك ولا ريب ولا خوف ولا يأس ولا قنوط في حقيقة توحيدهم وعقيدتهم بل في حقيقة نصرة الله لهم (ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) ، الصادقون في قول لا إله إلا الله أهل التوحيد أمة واحدة يأمرهم ربهم بقوله (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) أسألكم بالله أسألك بالله أيها الموحد أيتها الموحدة هل جعلت نفسك ومالك وولدك وكل ما تملك في خدمة هذه العقيدة في سبيل لا إله إلا الله ماذا قدمت لدينك وعقيدتك ماذا قدمت لهذا المبدأ العظيم نعجب ونتحسر يوم أن يضحي الكافر من أجل دينه وعقيدته وهو على باطل ويوم أن يفتر ويهمل ذلك المسلم من أجل عقيدته وتوحيده وهو على حق إنما المؤمنون إنما المؤمنون أولئك هم الصادقون في توحيدهم وفي قولهم لا إله إلا الله لا يستطيع ذلك إلا من ذاق طعم الإيمان وتحقق التوحيد صادقا من قلبه مثال واحد أسوقه لكم والأمثلة كثيرة ؛أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه انظر لحياة هذا الرجل أسرة كاملة أولاده عبد الله ومحمد بناته عائشة وأسماء أسرته ماله جهده وقته كلها في سبيل الله ونصرة دين الله فلما نصروا دين الله بأموالهم وأنفسهم وأولادهم نصرهم الله ومكنهم وأعلى شأنهم وصدق الله (إن تنصروا الله ينصركم) أما الخذلان أيها الأحبة الخذلان والبخل والكسل والفتور فهي من صفات المنافقين فلما عدم تحقيق التوحيد في قلوبهم تركوا الجهاد وفرحوا بالتخلف عنه ورضوا بشهوات الدنيا وبخلوا بأموالهم وتقلبت مواقفهم وتقلبت مواقفهم وردود أفعالهم تبعا لأهوائهم فذمهم القرآن بسبب ذلك .
ومن آثار التوحيد أيضا: شعور النفس الموحدة بمعية الله عز وجل ، قال ابن القيم في الفوائد فإن قلت بأي شيء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفزع قلت بالتوحيد والتوكل على الله والثقة بالله وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو وأن الأمر كله لله ليس لأحد ليس مع الله أو ليس لأحد مع الله شيء انتهى كلامه رحمه الله ، قال الحق عز وجل (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وقال (أليس الله بكافٍ عبده) وقال (وذلك بأن الله مولي الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولي لهم) وقال (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الآخرة) وقال جل وعلا في الحديث القدسي"من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما فرضته عليه وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه"فأي فضل يناله صاحب التوحيد فالله معه يحفظه وينصره ويدافع عنه مما يزيده قوة وشجاعة وإقبالا على الله عز وجل قال ابن رجب في رسالته الجميلة ؛الإخلاص قال كلام جميل اسمعوه: من صدق في قول لا إله إلا الله لم يحب سواه ولم يرج سواه ولم يخش أحدا إلا الله ولم يتوكل إلا على الله ولم يبق له بقية من آثار نفسه وهواه ومع هذا فلا تظن أن المحب مطالب بالعصمة وإنما هو مطالب كلما ذل أن يتلافى تلك الوصمة… انتهى كلامه رحمه الله .
وأخيرا من آثار التوحيد في النفوس العلم والبصيرة فمن عرف التوحيد وحقيقته عرف عكسه من الشرك وحقائقه وأباطيله بل عرف احتيالات أهل الشرك ومكرهم فيجزم الموحد بكفرهم وعداوتهم ولذلك ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب أن الناقض الثالث من نواقض الإسلام قال من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر ، إذاً فالعلم والبصيرة من آثار التوحيد على النفوس أو في النفوس وفي صحيح مسلم من طريق [أبي مالك سعد بن طارق] عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله"فلا يكفي إذاً لا يكفي لعصمة دم المسلم أن يقول لا إله إلا الله بل لا بد أن يضيف إليها الكفر بما يعبد من دون الله فإن لم يكفر بما يعبد من دون الله لم يحرم دمه وماله ، ومن الآثار محبة أهل الإيمان وموالاتهم وبغض المشركين ومعاداتهم .